هل ما يحصل في سورية عقلاني أم جنون؟

Syria: rationality and realism
منذر الهنداوي

كل شخص يمتلك عقلاً. و لكن ليس كل شخص يستخدم عقله ليفهم الواقع كما هو. كثير منا يستخدم عقله ليبرر نظرته أو رأيه في الواقع. كثير منا ينتقي ما يتناسب و نظرته كي يضفي على تلك النظرة صفة العقلانية. قد نحاول أن نلوّن الواقع بألواننا لكنه لا يتلون بها. فللواقع ألوانه و منطقه و قوانينه و محركاته و تفاعلاته الكامنة فيه. فهم الواقع  يتطلب منا تحييد نظرتنا و رأينا و عواطفنا و السعي لفهمه كما هو.

الواقع شيء و نظرتنا أو فهمنا لما يجري في الواقع شيء آخر مختلف. رغباتنا أن نرى الواقع يمشي وفق ما نهوى لا تعني انه سيمشي وفق ما نهوى. الواقع لا يسير بإرادتي أو إرادتك، أو وفق منطقي أو منطقك انما يسير وفق منطقه و قوانينه و ما يحتويه من تفاعلات و أسرار تكَشَّف بعضها لنا و بقي الكثير لم يتكشف بعد. التمترس خلف ‘منطقنا’ و ‘رؤيتنا’ و ‘رغباتنا’ و  ‘تفسيراتنا’ لما يجري بالواقع أو لما يحمله من احتمالات لا يفيدنا في تطوير فهمنا للواقع و تفاعلاته و ما سينجم عن هذه التفاعلات.

لواقعنا السوري منطقه أيضاً و هو غير منطق كل واحد منا. هو غير منطق الموالاة و غير منطق المعارضة. قد نقترب قليلاً، و قد نبتعد كثيرا عن فهم  ما يجري لكن حصيلة ما يجري ليست نتيجة إرادتنا لتغيير الواقع وفق ما نريد. فمكر الواقع أعقد من ان نحيط به و نتحكم فيه. “مكر الواقع”، “منطق الواقع”، “عقل الكون” تعابير فلسفية تسعى الى التمييز بين ما نتوقعه و بين ما يُنتجه هذا الواقع الموجود دون أن يكون لنا دور في وجوده. هذا التمييز بين ما نفكر فيه و ما سيحصل هو ما عبرت عنه عدة آيات كريمة  ومنها هذه الآية. “و مكروا ومكر الله والله خير الماكرين”. أي انه مهما بلغ مكر الناس و فهمهم و تخطيطهم و ارادتهم في التغيير فإن ما سيفعله الله شيء مختلف عما يدبرون. ما يريده الله، ما يحمله الواقع من احتمالات،  و ما سينتج من تغيير شي مختلف عن تصوراتنا.

من يتصور أن مايجري في سورية هو نتيجة خطة جهنمية لقوى شريرة يهودية أو أمريكية أو فارسية هو لا يدرك معنى مكر الواقع، و لا يدرك معنى “و الله خير الماكرين”. هو لا يدرك حتى المعنى البسيط لمثل الفلاح “حساب الحقل غير حساب البيدر”. ما يتوقعه الفلاح من محصول القمح قبل الحصاد هو غير كمية القمح بعد الحصاد.

طبعاً هناك مؤامرات دوما و كثير منها ينجح لكن العالم لا يمشي وفق هذه المؤامرات. العالم يمشي وفق قوانينه. و من يفهم تلك القوانين و يحترمها يستطيع أن يؤثر في الواقع أكثر. أمريكا القوية جدا و المتآمرة علينا  دوماً لا تستطيع ان تسير العالم كما تريد. لكنها بفهمها و بحساباتها و بقوتها تستطيع أن تؤثر أكثر بمجريات الأمور. لكن أمريكا ليست إله الكون، فهي أيضا يمكن ان تخطئ في حساباتها و قد تتراجع في قوتها. كثير من المفكرين الأمريكيين تحدثوا عن تراجع القوة الأمريكية. بول كندي كتب كتاب “صعود و هبوط القوى العظمى” توقع فيه اضمحلال القوة الأمريكية. طبعاً هناك احتمالات كثيرة تتداولها مراكز الدراسات و الأبحاث و مخازن التفكير حول وضع أمريكا بين الدول في المستقبل.

إن من يدرس الواقع و يفهمه جيداً يستطيع ان يتوقع و يؤثر بالواقع أكثر من غيره، و لكنه لن يصل مطلقاً إلى مرتبة الله خير الماكرين. لذلك فعلى العاقل دوماً ان يبقي حساباً للاحتمالات الأسوأ. و هذا ما بات في صلب التعليم و التفكير في الدول التي تسعى نحو التطور.

 إن النظر إلى مايجري في سورية و كأنه جنون الواقع لا يفيدنا في فهمنا لما يجري. و إطلاقنا لعبارات جنون الواقع هو بالحقيقة تعبير عن عجزنا عن فهم منطق الواقع، و عن حساب الاحتمالات الكامنة فيه. نعم نحن عجزنا عن فهم واقعنا و عن فهم منطق إمكانات الهبوط نحو الهاوية التي هبطنا إليها. لقد عجزنا عن رؤية القوى الكامنة في مجتمعنا و استعداداتها لتأخذنا في سراديبها و كهوفها الهمجية و الطائفية. عجزنا عن فهم مصالح الدول الإقليمية و العالمية المؤثرة في واقعنا.

لم نقم وزنا يذكر لحساب الاحتمالات. قال أحدنا إنه الربيع، و ظننا ان الديموقراطية على الأبواب. لم تأت الديموقراطية بل أتى الخراب و حرب عدمية وضعت المجتمع في دوامة من العنف و الهجرة و الدمار لا سابق لها.

الياس مرقص كتب عن طاولة الزهر التي انتقلت من الشرق إلى الغرب. مفكرو الغرب أخذوا من هذه اللعبة فكرة الزهر. جعلوا من رمي الزهر أساساً لدراسة الاحتمالات. مثلا ما هو إحتمال أن تحصل على دشيش اي ٦-٦ أو هب يك اي ١-١ من رمي حبتي الزهر؟ جربوا و سجلوا و وجدوا ان الاحتمال هو ١ من ٣٦ رمية. من يدرس الإحصاء اليوم لا بد ان يبدأ بالاحتمالات الناجمة عن رمي الزهر. هم أخذوا فكرة الزهر و طوروا منها علم أو نظرية الاحتمالات. نحن احتفظنا بطاولة الزهر كلعبة و لم نفكر ان نتعلم منطق الاحتمالات. احتمال الواحد بالألف او الواحد بالمليار موجود في الحسابات دوما. لكن احتمال الواحد بالعشرة لم يكن موجود في أذهاننا عندما ظننا أنه الربيع حقاً. لم نفكر باحتمالات الهبوط نحو هذا القاع . لم نتصور ان نصف سكان سورية يمكن ان يصبحوا مهجرين بالداخل و الخارج. و ما زلنا لا نفكر بالاحتمالات الأسوأ الكامنة.

ما يجري ليس جنون الواقع فكل ما يحدث هو عقلاني. حسب هيغل: “كل ما هو واقعي عقلاني، وكل ما هو عقلاني واقعي. و الشطر الأول “كل ما هو واقعي عقلاني” لا يعني ان ما تفعله القوى المتصارعة في سورية، و ما تتمترس حوله من معتقدات و تبريرات هو عقلاني، أو مبرر أخلاقياً. بل يعني أن كل ما يجري له مبرراته الموضوعية و أنه كان كامنا في رحم هذا الواقع السوري و امتداداته الإقليمية و العالمية، و لكننا نحن لم نكن ندرك أن كل هذا كان ينمو برحم مجتمعنا.

المؤرخون في الغرب يعزون أسباب الحرب العالمية الثانية الى النصر الذي حققه الحلفاء على ألمانيا في الحرب العالمية الاولى. وافق الألمان المهزومون مكرهين على الشروط المجحفة بحقهم و التي نصت عليها معاهدة فرساي ١٩١٩. تلك المعاهدة أدت إلى خسارة ألمانيا اكثر من عشر أراضيها و محاصيلها الزراعية، و عشر صناعتها و ثلاثة ارباع إنتاجها من خام الحديد. و غير هذا من خسارات. كل ذلك أدى إلى تزايد الغضب لدى الألمان و تزايد الازمة الاقتصادية لشعب منتج لكن لم يكن قادر على تصريف إنتاجه بسبب قيود معاهدة فرساي. كل هذا ادى الى صعود النازية، و من ثم الحرب العالمية. هذا التفسير يدرسونه للطلاب في المدارس في بريطانيا التي كان لها الدور الأبرز في هزيمة الألمان. الأوربيون نظروا بكل الظروف التي أدت إلى الحرب و نظروا الى أخطائهم و طمعهم. لم يتحدثوا عن جنون الواقع او جنون هتلر رغم انه مجرم مقرف. بل ركزوا على الأسباب الأبعد التي أدت إلى صعود النازية و من ثم هتلر.

فقط عند هذا المستوى من الوعي تمكن الأوربيون  من بناء فكر يقظ يراقب احتمالات صعود التطرّف القومي. وأعادوا بناء أوربا على أسس فكرية إنسانية متينة. لم يكتفوا بتخفيض احتمالات قيام الحرب فيما بينهم بل قطعوا شوطاً كبيرا في توحيد اوربا. و بذلك تحقق الشطر التاني من مقولة هيغل:  “كل ما هو عقلاني واقعي”. أي بقوة العقل و حسن التفكير أعادوا بناء أوربا و حولوها من دول متحاربة إلى اتحاد. الفكرة العقلانية صارت واقعاً.

مثلما استفحلت النازية في المانيا استفحلت الطائفية في سورية و تشعبت اشكال التطرّف الديني فيه و تزايد القتل و الاستعباد و التهجير و النهب. الألمان و الأوربيون وجدوا طريقهم للخلاص عبر التركيز على فهم و مواجهة الأسباب التي أدت إلى صعود التطرّف القومي.  نحن في سورية ماذا علينا أن نفعل؟ هل نبقى نلعن و نشتم و ونقاوم و نقاتل و نحارب حرب الآخرين في بلدنا؟ كل سوري يعرف جيدا من هم المجرمون الكبار و اللصوص الكبار و من هم أصحاب المصالح في بث الروح الطائفية و تعزيز التطرّف الديني في بلادنا. لكن فهم اسباب التطرّف لا يجب ان يقف عند هؤلاء كما لم يقف الغرب عند هتلر و كبار المجرمين الألمان. آن لنا أن نفكر بالأسباب التي أدت و ما تزال تغذي هذه الحرب؟ يجب مواجهة السؤال الصعب: كيف استفحلت الطائفية و التطرّف في بلادنا. أعرف أن الفكر لوحده لا يصمد أمام نيران المدافع، و اتفهم أن الواقع مليء بالاحتمالات الأكثر بؤساً. لكن لن ننهض مما نحن فيه مالم نتشجع و نعمل بكل الجدية لمواجهة هذا السؤال. بمواجهة هذا السؤال نتمكن من جعل ما هو عقلاني واقعي في بلدنا و لو بعد حين.

Print Friendly