هل الأخلاق علم، أم دين، أم ماذا؟

Arabic word cloud

منذر الهنداوي
إلتقيت شخصاً طيباً متعلماً منذ عدة أيام و تبادلنا الحديث عن مشاكلنا في بلادنا. و لفت نظري تطرقه لمؤشر جديد هو مؤشر ‘الأخلاق’. و حسب ماذكر فإن اليابان صنفت في المرتبة الأولى عالمياً بهذا المؤشر. و ذكر أن اليابان تركز قبل كل شي في التعليم على تعليم الأخلاق.

بعدها جلست أمام الحاسب عدة مرات و لساعات عديدة ابحث عن مؤشر الأخلاق هذا. لم أجده، لكنني وجدت ما هو أغنى من مقالات و دراسات حول الأخلاق في اليابان. تركت البحث عن المؤشر و انصرفت لدراسة مدى التواضع و الكياسة و الأدب عند اليابانيين، و تعرفت على جانب من السر خلف هذه الطبيعة المحببة عندهم و هو اهتمامهم الكبير بتدريس و تعليم الأخلاق كمنهج في التعامل و كعلم ينبغي تعلمه و تعليمه. اكتشفت أنه في اليابان يستخدم تعبير الحكمة كمرادف تقريباً لتعبير الأخلاق. و اكتشفت ان اليابان، و هي التي تبهرنا كل يوم بتكنولوجيا جديدة، تركز على الأخلاق أكثر من التركيز على العلوم و تطوير التكنولوجيا. و يُبين المثل الياباني التالي سر التركيز على الأخلاق او الحكمة: “المعرفة بلا حكمة كمجموعة كتب على ظهر حمار”.
من أجل ألا تبقى الأخلاق موضوعاً متروكا للإجتهاد الفردي فقط استحدثت اليابان مادة في التعليم باسم “الطريق إلى الأخلاق” حيث يدرس التلاميذ هذه المادة منذ دخولهم المدرسة. من خلال هذه المادة يتعلم التلميذ الكثير من الأخلاق الحميدة كالصدق و الأدب في الحديث و روح التعاون و احترام الآخر و حب النظافة، و كيفية المحافظة على نظافة المدرسة و المساهمة بتنظيفها مع معلميه، إذ تخصص المدرسة ربع ساعة يوميا لتنظيفها.
و اقتبس هذه الفقرة الرائعة عن فترة النظافة في يوم دراسي في احدى المدارس اليابانية كما رواها أحد المراسلين:
” ينطلق الطلاب في حملة تنظيف تتضمن إخلاء المكان من النفايات والعلب الفارغة، مسح النوافذ والأرضيات، تنظيف جدران الحمامات، و إعادة الترتيب. وعند انتهاء المهمة تبدأ جلسة اعتراف يقودها احد الاطفال في الفريق لمعرفة نتائج الطلاب في عملهم ويسأل هل قمنا بعملنا على أكمل وجه؟ يرد كل طالب من الفريق نعم إلا الطالبة سييرا ذات العشرة أعوام تقول: (لم نضع المكانس في مكانها( بشكل أنيق )، ويومئ الأطفال برؤوسهم مقرين بذنبهم بسبب هذا التقصير.”
و رغم كل هذا فإن الدولة ليست راضية تماما عن الأخلاق في اليابان. لذلك فقد أصدرت الحكومة توجيهات بجعل تعلم العادات الحميدة التي كانت سائدة في حقبة إيدو قبل نحو ثلاثة قرون مادة أساسية في المدارس بحلول العام الدراسي ٢٠١٨. و ستتضمن المادة الجديدة التركيز على تعليم الأطفال كثيرا من أدب المحادثة و مستوى ارتفاع الصوت، ودرجة الانحناء عند التحية، و تزايد الانحناءة وفقا للمكانة الاجتماعية للشخص الذي تحييه، و الكلمات التي ينبغي استخدامها مع كل شخص حسب عمره، و صولا إلى طريقة المشي و غير ذلك.
اليابان ليست دولة مسلمة و ربما يعتبرها بعض المتشددين كافرة، و لكن لا أظن أن أحداً يستطيع ان ينكر عليهم سمو اخلاقهم. بالمقارنة من يستطيع ان ينكر مدى تدهور الأخلاق في مجتمعاتنا الاسلامية. الدين حاضر جداً في بلادنا. و الدين حاضر جداً في حروبنا و صراعاتنا، لكن الأخلاق ليست حاضرة كثيراً.
في السعودية يدرس طلاب المرحلة الابتدائية ٨ ساعات دروس دينية في الأسبوع. و تقوم هيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بمراقبة أدق تفاصيل اللباس الشرعي و تغطية الوجه بالنسبة للمرأة لأنه عورة. كما تعمل الهيئة على ضمان التحاق الناس بالصلاة بأوقاتها. و لكن هل السعودية اكثر تطوراً أخلاقياً من اليابان؟
و ايران أيضاً دولة إسلامية ينتشر التعليم الديني فيها على نطاق واسع ليس فقط بالحوزات العلمية بل في كل مراحل الدراسة العامة. كما يفرض على النساء اللباس الشرعي الذي يسمح للمرأة ان تظهر و جهها لكن دون تبرج. و يتدرب التلاميذ في ايران على اللطم على اجسادهم حتى الإدماء أحياناً حزنا على مقتل و مظلمة الحسين و أهله. فهل دولة إيران الإسلامية أكثر تطوراً أخلاقياً من اليابان؟.

و باكستان التي يوجد فيها أكثر من ثلاثة عشر ألف مدرسة دينية و تخرج هذه المدارس ١٠٠ حافظ للقرآن الكريم كل سنة، و كانت تخرج معظم المجاهدين اللذين حاربوا الاتحاد السوڤياتي و كسروه في أفغانستان، هل هي أكثر تطوراً أخلاقيا من اليابان؟
و ربما لا توجد حاجة للذهاب بعيداً لملاحظة حضور الدين في أحاديثنا. استعرض الفيس البوك لترى هذا الضخ الهائل للعبارات و الأدعية الدينية و المواعظ و الاستغفار و الدعوات التي لا تتوقف كي تضغط على لايك ‘like’ على هذه العبارات و المواعظ، بل و حتى الدعوات التي تحاول أن تشعرك بالذنب و ربما بالكفر إذا لم تكرر ما يكتبون أو تضغط لايك على ما يسألون.
لكن رغم كل هذه المظاهر من التدين، هل يستطيع أحد أن يثبت أننا كمسلمين في باكستان و السعودية و ايران و العراق و سورية و مصر و ليبيا و السودان و اليمن و كثير من الدول الإسلامية أفضل أخلاقيا من اليابان؟
هل نحن الأفضل من حيث قلة الغش مثلاً؟ انظر إلى الغش و الاحتيال في المدارس و في أسواق السيارات، و عند سماسرة العقارات و الباعة لتعرف مدى تفشي الغش في بلادنا. أو إنظر كيف صار التحايل على الدولة و على بعضنا و كيف صار التهرب الضريبي و التلاعب في القوانين و سرقة المال العام خلال نصف قرن الماضي رمزا للشطارة في بلادنا. إنظر كيف صار الإدعاء و التفاخر بما لا يحق لنا أن نفتخر به من أنساب شاغلاً لتفكيرنا!. كم نكرر أن “النظافة من الإيمان”، و كم تكتب هذه العبارة على الحيطان، لكن تبقى معظم الحيطان قذرة.
أنا لا أعرف الكثير عن الدين السائد في اليابان، و لكن ما تعرفت عليه خلال الأيام القليلة الماضية عن الأخلاق في اليابان و كيف ينظر إليها كمنهج فكري يدرس و يطوَّر و يناقش بين الناس يجعلني أحكم أن اليابان أرقى أخلاقيا من بلادنا الاسلامية. إنهم أقل كذبا و أقل تحايلا على بعضهم البعض، و أكثر تعاونا و أكثر تواضعاً و أكثر حرصاً على نظافة بيئتهم و أقل شغفا بأنسابهم و أكثر شغفاً بتطوير أخلاقهم و إنسانيتهم، و أكثر حرصا على التعلم و الابتكار و التدرب على المواطنة.
لا شك أن أحداً سيقول لي: و لكن نحن أهل الأخلاق و ديننا يحض على الأخلاق و قد يستشهد بأخلاق الرسول أو بأخلاق الصحابة أو بأخلاق آل البيت، أو بأخلاق كثير من المسلمين الأوائل. و أقول له هذا صحيح لكن هذا كان في السابق. كان هذا عندما فهم المسلمون معنى الحديث الشريف بكل أبعاده: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. هذا هو جوهر الرسالة: “مكارم الأخلاق”. ما أهمية كل مظاهر التدين إن لم تتحسن أخلاق الناس؟ ما قيمة المتدين ان لم يساهم بمحاصرة و ردع نزعة الغش و الكذب؟ ما معنى كل هذا التدين في بلادنا إذا لم يهدف لإكمال مكارم الأخلاق؟ نحن الآن لا نسعى لإتمام مكارم الأخلاق. اليابانيون و شعوب أخرى هي من تسعى اليوم لإتمام مكارم الأخلاق.

Print Friendly