الجهاد من جديد (Jihad, again)

No to terrorism

بقلم منذر هنداوي

هذه محاولة لقراءة معنى “الجهاد”. و أتمنى أن تلقى النقد اللازم فربما نتوصل إلى فهم أوسع لمعنى الجهاد. فتحت راية الجهاد تشن حروب، و يعطي مقاتلون شرعية لقتالهم و حروبهم. و ينظر في الغرب و في بلادنا على نحو واسع للجهاد كمرادف للحرب المقدسة أو الحرب الواجبة على المسلم. لكن التدقيق في معانيه يوحي بمعان كثيرة أهم و أشمل.

بدايةً، في اللغة الجهاد من الجهد، اي من الطاقة المبذولة. و جَهَدَ= بذل جهده، أي بذل أقصى طاقته. و من الجُهد، يشتق الفعل اجتهد، و المصدر اجتهاد. فاجتهد بذل طاقته الذهنية لحل معضلة ما. أي أن للجهاد شقان. الشق الأول الجهد البدني و استخدام القوة العضلية ان في القتال أو في العمل و البناء. و الشق الاخر عقلي مرتبط بالاجتهاد. أي بالتفكير و التوصل حلول و أحكام تنعكس ايجابا على المجتمع. و لعل في الحديث النبوي  الذي أشار، بما معناه، (أن المجتهد إن أصاب له أجران وإن أخطأ له أجر) تأكيد على إعمال العقل و التفكير لدرجة أنه أعطى حتى للمجتهد الذي يخطئ أجر.

لذلك و إن تضمن الجهاد القتال إلا أنه ليس مرادفاً للحرب، أو للحرب المقدسة. فالاجتهاد وجه و روح الجهاد. إنه عمل فكري عقلي يهدف لخير المجتمع و يتطلب التعلم من أجل البناء و التطوير و التحسين و ارساء قواعد و قوانين للتفاهم بين الناس و النهوض بحياتهم. و هذا المعنى متضمن تحديداً في تعبير “الجهاد الأكبر”. المسلمون الأوائل كانو يقولون بعد العودة من معركة عدنا من “الجهاد الأصغر” إلى “الجهاد الأكبر”. و الجهاد الأكبر هو “جهاد النفس”. أي تهذيب “النفس الأمارة بالسوء” و ترويضها في مجتمع يريد أن ينهض؛ مجتمع يريد أن يمتثل لرسالة الله للانسان بأن يكون خليفته في الأرض. و لفهم معنى “النفس الأمارة بالسوء” و دور “الجهاد الأكبر” بتهذيبها يجب العودة إلى ما قبل الإسلام بل إلى ما قبل الاديان التوحيدية.

النفس اعتبرت مسؤولة عن الأهواء و الرغبات و الميول الغريزية منذ بدايات تكون الحضارات الأولية. و مسيرة تطور الانسان و انتقاله من الحياة البدائية المتوحشة إلى مجتمع تسوده قوانين اكثر تطوراً مسيرة ترويض للنفس و وضع حدود لها بحيث يُمنع القوي و المتحايل من التعدي على حقوق غيره. الإنسان البدائي تشتهي نفسه طعام غيره، فإن كان قوياً ينقض عليه و يأخذه عنوة. بل إنه إذا جاع قد يقتل انسان آخر كي يأكل لحمه. و اذا أعجبته فتاة فقد لا يجد حرجاً من ان يغتصبها. و اذا كان قوياً و راق له كهف لا يتردد في احتلاله. تلك هي شريعة الغابة، شريعة الانسان البدائي. البقاء للأقوى و الأدهى. قابيل الذي قتل اخاه هابيل هو رمز هذا التوحش الذي يصل لأن يقتل الانسان أخيه الانسان. إنه رمز النفس الأمارة بالسوء.

كل الحضارات الأولية التي طورها الانسان وضعت حدوداً صارمة لضبط ما تسول به النفس من شهوات تدفع للاعتداء على مال و حلال الآخرين. لكن القيود لوحدها لا تكفي. الأديان أتت لتساعد في ترويض نفوس البشر و تهذيبها لتصبح قادرة على العيش بمجتمعات لها قوانين متطورة تحكم علاقات البشر. الأديان كلها ساهمت بتهذيب النفوس و نقلت الإنسان من عالم الغابة الى المجتمع. من يطعن بالأديان و ينسى دورها في بناء الحضارات و القيم و القوانين و ترويض و تهذيب النفوس عليه ان يعيد النظر. طبعاً رسالة الدين تتغير بتغير الظروف. البشرية قفزت قفزةً هائلة بالانتقال من أكل لحم البشر إلى أكل جهدهم. أي بالانتقال من حياة الغابة إلى العبودية. العبودية التي نكرهها جميعا في عالمنا المعاصر كانت بداية تكون الحضارات الأولى.  فرعون كان إلاهاً و الناس تعبده. وضع قوانين نظمت الحياة. استعبد البشر لكن حرّم أكل لحومهم و حماهم. أطعمهم و أمنهم لكن بالمقابل سخرهم في العمل و البناء لصالح مملكته. عبيد فرعون كانوا أكثر أمناً و قدرة على التكاثر من إنسان الغابة. بنوا لفرعون الاهرامات و شقوا الترع و زرعوا القمح و كانوا القوة البشرية التي بنت حضارة لا تزال اثارها ماثلة.

الاديان السماوية حولت عبودية الانسان للإنسان إلى عبودية الانسان لله. و ارتقت بترويض النفس لحدود أعلى. تباينت قوانينها و روادعها و مسموحاتها لكن الأساس و الجوهر فيها كلها واحد؛ الأخلاق… في الحديث النبوي: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. هذا هو الجوهر. الأخلاق التي نادرا ما نجدها في “الغابة”، هي الأساس في “المجتمع”.  بناء الأخلاق و تهذيب النفوس هو ما يشرح تلك اللازمة التي كان يرددها المسلمون بعد العودة من معركة: “عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”، أي إلى الاجتهاد و التعلم و البناء. و جهاد النفس؛ أي تهذيب النفس “الأمارة بالسوء” حتى لا يعتدي شخص على زوجة جارة و لا يسرق عنزته و لا يغتصب بنتاً لا ترغب به. و مما لا شك فيه أنه سمي بالجهاد الأكبر لأنه الأصعب و الأكثر أهمية في بناء أخلاق الشخص و تهذيب سلوكه ليصبح شخصاً فعالاً في بناء و تطوير مجتمعه، فيخضع لقوانينه التي تحدد المسموح و الممنوع.

و رغم ان كل الحضارات الأولى و كل الديانات فرضت عقوبات متباينة تهدف إلى ردع المرء من اغتصاب حقوق الآخرين، لكن السيطرة على النفس و الحد من توحشها لا يختفي بمجرد وضع حدود رادعة. فقد يشتهي رجل بالغ فتاة قاصر فيغتصبها أو قد يسرق مال غيره رغم انه يعرف انه سيعاقب. هذا يمكن أن يحصل في أرقى المجتمعات. و لا يمكن أن يختفي كلياً. فجزر التوحش عند انسان الغابة، جزر نزعة القتل عند ابن آدم قابيل لا يمكن أن يختفي كلياً عند بشر اليوم. بل يمكن لهذا التوحش ان يتسلل مجدداً الى النفس البشرية. لكن بمقدار ما تتطور قدرة المجتمع على تلبية احتياجات الناس المتجددة، و بمقدار ما  تتوطد سلطة القانون بمقدار ما تُردع الجريمة و تحبس النزعة المتوحشة للانسان بقيود القانون و بسمو اخلاق المجتمع. و بمقدار ما يتطور فهم الناس و  يتطور وعيهم بحيث يجيدوا حساب نتائج أعمالهم و اندفاعاتهم بمقدار ما يقللوا من انتهاك قوانين المجتمع لينتقلوا بمجتمعهم إلى فضاء أرحب من فضاءات الحرية و الى درجات أعلى في الرسالة الانسانية للمجتمع.

 و هكذا فالهدف من “جهاد النفس” ارتقاء الناس إلى درجة أعلى فأعلى من حسن الأخلاق و تأديب أو تهذيب النفوس.. و لا غرابة كيف تغيرت شدة القصاص عبر العصور مع تطو ر المجتمعات. قبل عدة قرون مثلاً كان يمكن ايقاع حكم الموت على سارق دجاجة في اوربا. اليوم يُنظر بأكثر الدول الاوربية لماذا سرق السارق، فإذا تبين أنه  سرق لحاجة ماسة فقد لا يعاقب، بل يمكن ان يعاد تأهيله و مساعدته ماديا و إعادة دمجه في المجتمع. و قد يتدخل علم النفس في تحديد اسباب سلوكه و سرقته. و قد يجدون أنه يعاني من مرض نفسي يمكن علاجه و اصلاحه.

أليس عالم النفس الذي يمضي وقتاً كبيرا يجاهد و يجتهد في فهم اسباب الانحرافات السلوكية مجاهد؟! نعم انه مجاهد. كل من يساهم في فهم الناس و معالجة مشاكل الناس و أمراضهم مجاهد و مجتهد. كل من يسعى بدأب  لكي يطور و يبتكر و يبني مجاهد و مجتهد. كل من يتفحص لغته و مفرداته و ينتقدها ليطورها مجاهد و مجتهد. كل من يعزز قيم التعاضد و المواطنة في المجتمع مجاهد كبير.

نحن في بلادنا الآن نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أن نعيد النظر بمعنى الجهاد الأكبر. حمل السلاح و اعتباره الحكم الفصل ليس هو الجهاد الأكبر. الجهاد الأكبر في حالة حرب حرقت الأخضر و اليابس في بلدنا هو المساهمة بوقف هذه الحرب و إعطاء كل فرصة ممكنة للحوار و التفاهم. الجهاد الأكبر هو في التمكن من الإصغاء للآخر و النظر بدوافعه و بمظالمه و مخاوفه. الجهاد الأكبر الآن هو في لجم شهوة القتال و أهواء النفس في الانتقام. الجهاد الأكبر في وقف الاحتكام للسلاح في وقت يمكن فيه الاحتكام للعقل. الجهاد الأكبر في حساب نتائج أعمالنا، و معرفة أين نمضي بسورية. الجهاد الأكبر الآن ليس في تهشيم ما تبقى من سورية بل بايجاد طريق لإعادة لملمتها أو لملمة ما تبقى منها. الجهاد الأكبر الآن هو في البحث عن طريق يمكِّننا من إعطاء العقل و السلام فرصة.

Print Friendly