الأصل و الأصالة (Origin and authenticity)

Authenticity
بقلم منذر هنداوي

ماذا تعني كلمة أصل أو ما يشتق منها مثل “أصيل” و “أصالة”؟ ماذا نعني عندما نقول عن شخص أنه “إبن أصل”؟ ماذا نعني عندما نقول أن هذا الرجل سوداني و ليس مصري لأن أحد أجداده اتى من السودان؟. أو أن إبن رشد أمازيغي و ليس عربي.

كلمة الأصل ملتبسة و قد تحيل بسهولة الى التعصب العرقي و القومي. فقبل كل أصل لأي قومية او عرق يوجد أصل أبعد. و أصل الجميع هو الانسان. الانسان لا يتناسل بإعادة زرع قلم من شجرة كما هو الحال في تكاثر عريشة العنب، بل بالتزاوج بين رجل و إمرأة. النسب الحقيقي هو من الاثنين معاً و ليس من الأب و حسب. و في الآية الكريمة تأكيد لهذا المعنى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..” من ذكر و أنثى. هكذا في الدين و هكذا بالعقل و العلم. و من يريد ان يغوص بالأصل و يغفل هذا فلا معنى لكل استنتاجاته.

بغض النظر عن الأصل الأبعد، العرب شعوب موجودة و لها دورها و مكانتها بين شعوب الأرض. لكننا لا نعرف عن تاريخها القديم سوى أكثر بقليل مما حفظ بالشعر العربي القديم قبيل الاسلام ب٢٠٠ سنة او اكثر بقليل. الفرس ايضاً شعوب عريقة يمتد تاريخها الذي يمكن التدقيق فيه الى فترة زمنية ابعد بقليل من تاريخ العرب. الفراعنة في مصر يمتد التدقيق في تاريخهم لفترة زمنية أطول. لكن كل تاريخ الشعوب و الحضارات التي يمكن مراجعته و التدقيق فيه لا يتجاوز مداه خمسة ألاف سنة. و حتى لو كان عشرة آلاف سنة فان تاريخ و جود الانسان على الأرض يتجاوز نصف مليون سنة حسب كثير من الدراسات. و بعض الدراسات الحديثة تشير الى ان عمر الانسان على الأرض اقدم من ذلك. اي ان عمر الانسان أبعد بكثير جداً من ولادة اللغات البشرية و من نشوء القبائل و الشعوب.

هذا لا يلغي ان هناك شعوب تشعر بأنها عربية او إنكليزية او فارسية او أمريكية أو غير ذلك. لكن ان نركز على وحدة الأصل لهذه الشوب فذلك فيه تضليل كبير. أن نركز على وحدة الأصل فيه ارتداد الى العنصرية. النازية حاولت فعل ذلك و ركزت على العنصر الآري لكنها انهارت.

اذا ركزنا على الأصل فهل نقول عن ترامب انه ليس امريكي رغم انه رئيس امريكا لأن جده ألماني الأصل، او لأن والدته سكوتلندية. و اوباما الذي انتخبه الشعب الامريكي ليصبح رئيساً هل هو امريكي ام أفريقي! ام ربما يحلو لبعضنا ان يقول عنه انه عبد؟!  و ابن رشد هل هو عربي أم أمازيغي؟ ألم يكتب إبن رشد باللغة العربية و باسم العرب و باسم الاسلام؟ و اكثر! ألم يكتب باسم الانسان عندما تعمق بالفلسفة؟. نزع صفة عربي عن ابن رشد تأتي في سياق الإقلال من شأن الحضارة العربية. لكن لا محاولة الإقلال المتعمد من شأن العرب، و لا المبالغة في دورهم يخدم الحقيقة و المعرفة. لا محاولات رفع قيمة العرب فوق الأمم باسم عراقة الأصل، و لا محاولات تتفيه مكانتهم ذات قيمة تذكر.

الانتماء هو قضية شعور و رابطة تربطك بهذا الشعب او ذاك. و ليس للأصل و التأصيل و رابطة الدم فيها أي معنى. من منا في سورية يستطيع ان يسلسل نسبه الأبوي لعدة قرون؟. و اذا أدخل النسب من قبل الأم و الأب معاً فهل يستطيع اي شخص  ان يثبت انه سوري نقي خالص منذ الف سنة و  ٣٠٠ سنة؟. لا أظن أن هذا ممكناً و ليس مطلوباً إطلاقاً.

شجرات العائلة التي انتشرت في بلادنا خلال العقود القليلة الماضية شجرات مزيفة. كلٌ يريد ان ينسب نفسه او عشيرته او أسرته إلى آل البيت او أحد الصحابة او الأجداد العرب. هذا انحدار و تزييف قبيح تحت مظلة البحث عن الأصل. هذه المحاولات تنكر اختلاط الشعوب ببعضها، و تغفل تزاوج المحتلين و الغزاة الذين تعاقبو على بلادنا مع شعوب المنطقة. و تغفل قبل كل شيء دور المرأة في النسب.

نحتاج الى فض الغبار جيداً عن مصطلح الأصل و اشتقاقاته كمفهوم الأصالة. و يجب ضبط حدود معانيه في أحاديثنا و في كتب الأدب و التاريخ.

Print Friendly