فوكوياما يراجع نظريته حول نهاية التاريخ (Fukuyama reviews his theory about the end of history)

Donald Trump and Francis Fukuyama
مراجعة من إعداد منذر هنداوي

أعيد نشر مراجعة نشرتها في ١٤-١١- ٢٠١٦ لمقالة لفرانسيس فوكوياما التي نشرها في جريدة الفاينانشال تايمز، بعنوان “أمريكا بمواجهة العالم؛ امريكا ترامب و النظام العالمي الجديد“. علها تساعد في فهم صعود دونالد ترامب و اليمين عموما.

كتب فرانسيس فوكوياما مقالته الشهيرة حول “نهاية التاريخ”  عام ١٩٨٩. كان متفائلاً بسقوط جدار برلين و تفكك المعسكر الاشتراكي و ما تلاه لاحقا من تفكك الاتحاد السوڤياتي. نهاية التاريخ لا تعني له نهاية العالم، بل نهاية الصراع الأيديولوجي الذي طبع العالم حتى أواخر القرن العشرين. و قد انتهى الصراع، حسب رأيه، بانتصار الليبرالية الديموقراطية كنظام حكم عالمي على الاشتراكية كأيديولوجية منافسة.

لكن التاريخ لم ينته، والصراع الأيديولوجي يتجدد و يأخذ مضموناً جديداً. يرى فوكوياما أن صراعاً جديدا في معاقل الدول الليبرالية قد خرج إلى السطح بعد أن بقي يتفاعل خلال العقدين الماضيين. فقد أدت العولمة الى بطالة كبيرة في عدد كبير من المدن الصغيرة و الارياف في أمريكا بينما انتعشت المدن الكبيرة بفعل العولمة التي أدت الى استحواذ المدن الكبيرة على مراكز المال و الاعمال. صناعات السيارات و الإليكترونيات و غيرها انتقلت من المدن الصغيرة في امريكا الى الصين و المكسيك و غيرها. شركة آبل مثلاً تصنع ملايين الموبايلات في الصين خلال عدة أسابيع لتبيع منتجاتها في أمريكا، بينما كان هذا الانتاج يتم قبل العولمة في تلك المدن الأمريكية الصغيرة. هذا ادى إلى ان الليبرالية التي فتحت أبواب العولمة عززت من مكاسب المدن الكبيرة على حساب الارياف و المدن الصغيرة.

 مسألة أخرى يطرحها فوكوياما وهي تمركز المتعلمين ذوي الكفاءات الارفع في المدن الكبرى. هذا أعطى الصراع وجهاً جديداً بين مدن كبيرة ارقى تعليما، و أطراف مهمشة اقل تعليما. الريف و المدن و الولايات الصغيرة وجدوا في خطاب ترامب الشعبوي القومي، و المؤيد لسياسة الحماية ضد المنافسة التجارية مع العالم الخارجي، ضالتهم المفقودة للتعبير عن غضبهم من فقدان أعمالهم و للوقوف في وجه النخب السياسية المتحكمة بمصيرهم. خطاب ترامب في كل حملته كان ضد هذه النخب في كلا الحزبين المتحكمين بالسياسة في امريكا.

و الحال نفسه في بريطانيا التي صوتت للخروج من الاتحاد الأوربي. المصوتون لصالح الخروج كانوا من الأطراف، و هم أكبر الخاسرين من العولمة، بينما معظم سكان لندن كانوا ضد هذا الانفصال لدرجة ان مطالبات شعبية واسعة في لندن طالبت بانفصال لندن عن بريطانيا بعد ذلك الاستفتاء.  الأمر نفسه يحصل في فرنسا فالناخبون في المدن الصغيرة و الارياف الذين كانوا ينتخبون تلقائيا الحزب الشيوعي و الاشتراكي يتحولون الآن الى اليمين العنصري المعادي للعولمة و للاجانب.

في روسيا و في تركيا تتمركز شعبية بوتين و وأردوغان كذلك في الارياف و المدن الصغيرة الأقل تعليما. و هذا ينطبق على عدد آخر من الدول الغربية.

و يخلص الكاتب إلى أن صراعاً جديداً يحصل بين طبقتين تتمايزان حسب مستوى التعليم؛ طبقة من النخب الأكثر تعلماً و ثروة تتمركز في المدن الكبيرة. و تمثل هذه الطبقة النخب السياسية الحاكمة و المؤيدة لليبرالية و العولمة، و طبقة أقل تعليما تتمركز في المدن الصغيرة و الارياف و معادية للنخب السياسية الحاكمة. و يعد انتصار ترامب انتصارا ضد هذه النخب الحاكمة. بعبارة أخرى الليبرالية الديموقراطية انقسمت إلى ديموقراطية معادية للعولمة أتت بترامب، و في مواجهتها ليبرالية داعمة للعولمة و لا تستطيع تقبل نتائج الانتخابات الديموقراطية.

لكن الى اين سينتهي هذا الصراع. دول العالم لها مصالحها. و امريكا لا تستطيع فرض ارادتها كما تريد على العالم. فإما ان يتراجع ترامب عن سياساته ضد العولمة  وهذا من الصعب التكهن به، و إما أن يفرض فعلاً ضرائب ضد شركاء امريكا مما سيدفع هؤلاء الشركاء إلى الرد بالمثل و فتح باب حرب الحماية الجمركية. و هذا سيضع العالم أمام أزمات اقتصادية تتشابه مع المقدمات التي أدت إلى الازمة الاقتصادية الكبرى عالم ١٩٢٩ والتي كانت من أحد أسباب الحرب العالمية الثانية.

فهل يقود هذا إلى حرب عالمية ثالثة؟

للإجابة على هذا السؤال يرجح فوكوياما أن سياسة ترامب تميل إلى العزلة أكثر من ميلها إلى الحرب و الى أنه قد يفكر بطريقة عملية و خاصة فيما يتعلق بالصراع في سورية.

و لكن يبقى فهم الصراع الذي يجتاح الغرب و كثيراً من دول العالم مفتاح فهم مستقبل هذا العالم. و أول ما ينبغي فهمه ترافق هذا الصراع مع قومية شعبوية تتشابه بكثير من الصفات مع ما ساد في عشرينيات و ثلاثينيات القرن الماضي في الغرب.

Print Friendly