القراصنة بيننا (The pirates among us)

Facebook hacking
بقلم منذر هنداوي

تعطل حسابي عدة مرات على الفيسبوك. كلما أردت الدخول على صفحتي يطلب كلمة السر، لكنني لا أتذكرها، فقد وضعتها ربما منذ سنتين و بقي حسابي مفتوحاً. ظننت ان المشكلة لها علاقة بالأجهزة التي استخدمها، أو ربما بتغيرات في الفيسبوك. و حيث كنت منشغلاً جداً لم أعر تلك المسألة أهمية كبيرة. لكن منذ مدة كنت مع صديقي فقال لي بعثت لك رسالة و لم تجب عليها، فقلت الفيسبوك عندي معطل. استغرب كلامي و قال “ليك حسابك مفتوح”، ثم أظهر لي الإشارة الخضراء التي أظهرت على موبايله أن صفحتي مفتوحة. حاولت عندها أن افتح حسابي لكن لم أفلح. بعد عدة ايام من المحاولات و الاستشارات  و الإخفاقات مع أصحاب الخبرة ذكر لي صديقي أن الحل الوحيد ان نذهب إلى خبير في هذا الموضوع.

في اليوم التالي ذهبنا معاً الى ضاحية قرب المدينة نقصد ذلك الخبير. وصلنا مقره. قرع صديقي بابه فخرج علينا شخص بملامح عربية. رحب بنا بحفاوة، و عرفت منه لاحقاً انه هرب من وطنه إلى تشيكيا منذ ٢٥سنة و استوطن فيها و تزوج من إمراة تشيكية و رزق منها ولدين. بعد قليل من المجاملات تحدث صديقي له عن مشكلتي مع الفيسبوك. ضحك و قال بعد شوي بيرجع إبني و بيشوف شو المشكلة. و فعلاً بعد قليل دخل علينا فتى ربما لم يبلغ السابعة عشر بعد فقال والده: “هذا ابني شرحولو المشكلة”.

ألقى الفتى علينا السلام بالعربية. و كان ذلك على ما يبدو كل ما يعرفه من لغة أجداده. لم أصدق بقرارة نفسي أن هذا الفتى الذي مازال تلميذ في المدرسة هو ذلك الخبير الذي سيحل المشكلة. بعد محادثة قصيرة راح الفتى يسألني و يسجل على حاسبه كيف أكتب إسمي  و ما هو تاريخ ميلادي و أولادي و رقم موبايلي، و الايميل، و أشياء أخرى. ثم راح يحاول التوصل الى كلمة السر عبر كتابة السؤال السري، ثم عبر إرسال رسالة الى الفيسبوك يبين فيها أنني صاحب الحساب، لكن ذلك لم يفلح. بقي يحاول و ينوع الاحتمالات للتوصل إلى كلمة السر لكن دون جدوى. بعدها قال أن الموضوع يحتاج لبعض الوقت، و أنه سيحاول حل المشكلة و يتصل معنا.

غادرت مع صديقي بيت هذا المهاجر و أننا متشكك بقدرة إبنه على حل هذه المشكلة. قلت لصديقي تخيلت نفسي في بيت “أم مالك”، تلك الساحرة التي كنت أسمع عنها قصصا غريبة عجيبة في طفولتي بأنها تكتب السحر أو تفكه لأنها “مخاوية” كما كانوا يقولون. ابتسم صديقي و قال “هذا الولد موهوب و حل مشاكل أكثر تعقيدا”. بعد يومين اتصل صديقي وقال مازحا: “صاحبنا إبن أم مالك فك عنك السحر”. بعد قليل من التعليقات تأكدت أنه جاد في حديثه. ذهبنا مجدداً الى بيته. و بعد محادثة قصيرة قال لي هذه صفحتك. كدت لا أصدق، لكن بعد ان تصفحت بروفايلي و ما نشر على صفحتي تأكدت أنها صفحتي. دققت فيها فلم أجد تغيير يذكر. سألت الفتى شو سبب المشكلة، فقال “لست متأكداً ربما هناك من يعرف الكثير عن معلوماتك الشخصية و توقع منها كلمة السر وصار يغيرها، أو أن يوجد هاكر يستقصدك”. لكنه استبعد إحتمال الهاكر لأن أغلب الهاكرز، كما قال، يحاولون ان يستفيدوا أو يبتزوا لكن من دخل على حسابي لم يفعل. ثم أعطاني بعض الإرشادات كيف أكتب كلمة سر قوية و كيف أحمي الايميل و باقي حساباتي على النت. سألته ان فعلت هذا فهل سيكون حسابي آمناً؟ ابتسم و قال: “على النت مافي شي ١٠٠٪ آمن” و لازم تغير كلمة السر باستمرار. و تابع أنه إذا كان في هاكر مصمم على الدخول على صفحتك أو إيميلك فعلى الأغلب سينجح. لكنه تابع إذا طبقت التعليمات سيكون حسابك أكثر أمناً.

فكرت كثيراً بمن له مصلحة بالدخول على حسابي فلم أستطع أن أشك بأحد. و حيث أن صفحتي بسيطة و ليس فيها ما أخاف عليه من أسرار فقد أهملت مسألة من اخترق حسابي لأتابع الحديث مع الفتى الخبير عن الهاكرز، حيث ذكر لي معلومات تبدو بسيطة بالنسبة له، لكنها كانت مذهلة لي و اثارت فضولي بشكل كبير. كان حديثه شيقاً و جمله بسيطة و معبرة. و تمنيت لو انه كان يمتلك وقت أكبر كي أتابع الاستماع إليه، لكن وقته كان محدوداً، فقد وصلته رسالة للتو من صديقه الأيرلندي لمتابعة لعبة على النت. دفعني فضولي أن أسأله عن اللعبة فشرحها بسرعة مبيناً أنها تعتمد على سرعة الحساب و سرعة توقع احتمال المنفذ الأفضل قبل الخصم.

سألت الفتى و انا أهم بالمغادرة  بأي لغة تتحدث مع هذا الأيرلندي، أجاب بالإنكليزي. تحدثت معه بالانكليزية فارتبك قليلاً و قال “أنا ما بعرف احكي بالإنكليزي بس بعرف اكتب إنكليزي”. قلت له مازحاً: “بس الحكي أسهل من الكتابة”. و سألته ممكن شوف كيف بيكتب، فأشار إلى الكومبيتر أمامه و قال “هيك بكتب”. حاولت أن أقرأ، لكن لم أفهم شيء. كانت الكتابة مليئة بالأرقام و الإشارات التي لم أفهمها. لم تكن اللغة الإنكليزية كما أعرفها إنما لغة مبسطة يفهمها و يطورها أفراد هذا الجيل المنهمك بعالم النت و التطبيقات الالكترونية المتلاحقة.

تركت ذلك الفتى يتابع لعبته و كتابته و أنا أقول لنفسي من يدري فقد تصبح هذا اللغة نواة لغة عالمية يتواصل بها الناس من الصين و اليابان إلى أوربا و امريكا. و من يدري فقد تتاح أمام هذا الفتى فرصة ادخال تطوير حديث على اللعبة التي يحبها أو  التوصل إلى ابتكار جديد ينقله إلى عالم الرواد على النت. لكن مشكلتي المباشرة كانت تأمين حساباتي. لذلك فبعد عودتي الى البيت قمت بتغيير كلمات السر لكل حساباتي على النت، و ألغيت من إيميلي السؤال السرّي و جعلت رقم موبايلي المرجع الوحيد في حال نسيان كلمة السر و غيرت في الإعدادات  و كل هذا وفق تعليمات ذلك الفتى الخبير.

 تفرغت عدة أيام للقراءة عن الهاكرز و أخبارهم و أسرارهم. فهمت قليلاً كيف يكسرون كلمات السر لأخطر و أكثر المواقع تحصينا!؟ و كيف يتسللون عبر رسائل لا تلفت النظر لكنها تحتوي على فيروس يتجسسون من خلاله على الايميلات دون أن يشعر أصحابها!؟ و كيف أنهم متى دخلوا عبر أحد حساباتك يستطيعون الدخول إلى كل حساباتك الأُخرى. صحيح أن أعمال القرصنة يمارسها أفراد منعزلين في كثير من الأحيان لكن معظمها صار منظماً ترعاه كثير من الدول و المنظمات و العصابات في أماكن سرية. و قد وصلت القرصنة المنظمة حد التأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية كما تشير كثير من التقارير.

إنها الحرب إذاً. حرب مدمرة تشن في هذا العالم الافتراضي. حرب معظم ابطالها شباب في مقتبل العمر. أسلحتهم الوحيدة أجهزة كومبيوتر و روابط اتصال بالإنترنت. حرب تشن بدون نار أو رصاص لكنها مؤثرة مثل النار و الرصاص. حرب تبدو بالنسبة لنا نحن المستخدمون العاديون للإنترنت كأنها حرب في عالم الجن. لكن طبعاً لا يوجد جن في الموضوع، إنما يوجد حسابات و فهم كبير للاحتمالات و لطريقة التفكير بلغة و برمجة الكومبيوتر و أساليب التشفير و كسر الشفرات المعقدة. يبحثون عن نقاط الضعف في الحسابات ليدخلوا منها. لا يستبعدون أي احتمال. إحتمال الواحد بالمليون الذي لا نعيره أي أهمية في عالمنا الواقعي لا يهمله الهاكرز البارعون في العالم الافتراضي.

بقيت و أنا أقرأ عن الهاكرز، أستعيد حديث ذلك الفتى و تعليقاته البسيطة. فقد فرض احترامه عليّ بتواضعه. لم يظهر أي من علامات التباهي و الفخر، بل على العكس ظهر و كأنه قام بعمل اعتيادي بسيط رغم أنني رأيته عملاً كبيراً. أدهشني بمهارته، لكن دهشتي الأكبر كانت في عدم ادعاءه بمعرفة ما لا يعرفه. يعرف أن “على النت مافي شي ١٠٠٪ آمن” و  لذلك يحسِّن أمنه و يساعد الآخرين على تحسين أمن حساباتهم. يحب اللعب، و على وجهه شغف الأطفال لكنه يحسب كباحث حقيقي لا يستسلم إلى يقين يحد من تساؤلاته و شغفه في الاكتشاف.

تأملت في حال الأطفال في بلادنا، ماذا نعلمهم، و بماذا نحقن عقولهم. بينما الفتية في الغرب هم رواد في “العالم الافتراضي”، هم في بلادنا وقود حرب. مؤسس الفيسبوك مارك زوكربيرغ بدأ بتأسيس شبكته و هو لا يزال تلميذا في المدرسة. و الآن، و لم يبلغ عمره بعد ٣٣ سنة، و بوجهه الذي ماتزال الطفولة تطفح فيه، بات من بين أغنى الأغنياء و يستخدم موقعه ربع سكان العالم. مثله كان بيل غيتس و ستيڤ جوب الذين ساهما في التأسيس لهذا العالم الافتراضي و هما في مقتبل العمر.

ستيڤ جوب من أب سوري رفض الاعتراف به فتبنته عائلة أمريكية. أتخيل لو أن والد ستيڤ اعترف به و أتى به إلى سورية فأي مصير كان سينتظره فيها؟! ألم تكن وصمة “إبن الحرام” ستلاحقه حتى وفاته؟!  ترى أليس من حسن حظه و من حسن حظ البشرية أن والده لم يعترف به و وُجد من يتبناه و يُساهم بشكل ما في فتح مواهبه فيقدم افضل اجهزة كومبيوتر و موبايل للعالم.

و كذلك هذا الفتى لأب عربي مهاجر؛ أليس من حسن حظه أنه وُلد في المهجر و أن محيطه بسيط و ليس فيه الكثير من الجزم و القطع في تقديم رأي ما. أليس من حسن حظه أنه لم يتعلم ما تعلمناه في بلادنا عن الحقائق المطلقة التي لا تقبل النقاش، و الحتميات التاريخية التي لا ندري من حتمّها، و إرادة الشعب التي لا بد ان يستجيب لها القدر دون أن نعرف كيف سيستجيب. لو كان ذلك الفتى تعلم الكثير مما تعلمناه في بلادنا فلم تكن لتتاح له فرصة تعلم حساب الاحتمالات بأبسط صورها. لو كان عاش في بلادنا لكان حُقِن بعقدة تفوق مفترضة على بقية العالم، و لكان تعود على تصور أن أول ما يخطر على باله هو الرأي الصحيح أو الحل الآكيد، و لكان أحبط قبل أن يخطو بعيداً في محاولات فهم أخطاءه ليلتحق بجموع المحبطين المتمردين الثائرين قليلاً، لكن الخانعين كثيراً. و ما أكثر أصحاب عقد التفوق المزيف في بلادنا. ما أكثر المحبطين الذين لا يتوقفون عن لعن القدر الذي أخطأ بحقهم، و سار بعكس تصوراتهم، و أفسد آحلامهم، و خربط حساباتهم!. فهل حقاً قد أخطأ القدر بحقنا، أم أننا نحن من أخطأ و ما يزال يخطيء في حساباته و تقديراته.

نحن من أخطأ في الحسابات و ليس القدر. و كيف لنا ألا نخطأ و نحن لا نعير “احتمال” وقوعنا بالخطأ وزن يذكر. نتصور أننا على صواب و نمضي. و كل من يستوقفنا و يحاول أن ينبهنا بأن هناك احتمال بأننا  نسير في الاتجاه الخطأ نتهمه بأبشع الأوصاف. كل من يخالفنا الرأي نتصور أنه متآمر أو غبي لا يفهم. نتصور أن القوة في امتلاك سلاح القتل، و ننسى ان قوة العقل أمضى و أهم من قوة السلاح.

كم تغنينا بالسلاح. “و الله زمان يا سلاحي، اشتقتلك في كفاحي”. و غير هذا الكثير. و قد وصَل الأمر بأحد أهازيجنا إلى حد الدعوة لبيع الأم لشراء بارودة: “يا ولد يا ابن المقرودة، بيع أمك و اشتري بارودة، و البارودة خير من أمك، يوم الكرب تفرج غمك”. أليست هذه من الأهازيج في أفراحنا! الفرح الذي يفترض ان نسمع فيه موسيقى تطرب الآذان أمطرناه بالرصاص الذي يصرع الآذان. العرس الذي يفترض ان يكون تتويجاً لعواطف الحب النبيلة زيناه بعراضة فيها ضرب بالسيف و صد بالترس. و لم لا و قد جعلنا العرس معركة. و “زين زين،، مكحول العين،، و اللي يعادينا،، الله عليه”. أي عنتريات هذه التى نتغنى بها في أعراسنا، و التي أظن أن عنتر بن شداد نفسه ما كان ليتعنتر بمثلها في عرسه.

هذا التغني بالقوة و التحدي ليس دليل قوة بقدر ما هو دليل ضعف. فالقوة ليست في السلاح بل في العقل المسؤول عن نتائج استخدام السلاح. نحن لم نفهم أن السلاح مسؤولية كبيرة. يتسلم مراهق بيننا مسدس صغير فيتصور أنه صار عملاق كبير يأمر و يتحدى. تزودنا دولة ببعض السلاح  فنتصور أننا نسيطر على الكون. لكننا لا نعرف مخاطر استخدام السلاح، و لا نعرف على من نوجهه. نستقوي به على أهلنا، و نقتل بعضنا، و نمزق بلدنا، و نظن أننا نسيطر. لكن سرعان ما نكتشف أننا لا نسيطر حتى على أنفسنا. نحن لا نعرف كيف نحسب نتائج أعمالنا. تصوراتنا الخاطئة خذلتنا، و ستظل تخذلنا إلى أن نعود إلى رشدنا؛ إلى حسابات الواقع بأبسط أشكالها. إلى المنطق البسيط و الحسابات البسيطة، لو حسبتْ كل أطراف الصراع في سورية أن نتيجة ما سمي بالربيع العربي ستكون بهذا الشكل فهل كنا لنمضي في الصراع كما مضينا؟!

لكن من كان يريد ان يحسب احتمالات نتائج الصراع! من كان يريد أن يستمع إلى صوت العقل في حالة النشوة بالقوة التي أججها تدفق السلاح و المقاتلين من كل حد و صوب الى بلدنا؟! كل طرف كان يبشر بنصر قريب. رغم كل هزائمنا لم نتعلم أن نحسب احتمالات الخسارة. لم نفهم حساب الفلاح البسيط الذي اكتشف بالتجربة عبر العصور أن “حساب الحقل ليس حساب البيدر”. ما تتوقعه من محصول ليس ما ستحصده فعلاً. و كيف نأبه لحكمة الفلاح الذي أطعمنا القمح منذ آلاف السنين و قد زرع عمر بن كلثوم بذور فخر مزيف في عقولنا: “إذا بلغ الفطام لنا صبي.. تخر له الجبابر ساجدينا”. و عندما نصحوا من سكرة تفوقنا المزعوم ننظر إلى ذلك الصبي المفترض فنجده تحت الركام، أو ينتظر وكالات الغوث الأجنبية كي تغيثه، أو جثة على شاطئ.

 ماذا حصدنا؟ ماذا فعلت فينا كثرة السلاح، و قلة العقل. صرنا لاجئين في كل بلاد العالم، و لو أتيح المجال لما بقي في بلادنا عاقل. صحيح أن حياة اللجوء صعبة. و لكن ملايين الناس فضلت اللجوء على الخضوع لحرب عبثية عدمية تدفع الجميع نحو التطرّف و الاحتماء خلف انتماءات قبلية أو قومجية أو طائفية مذهبية لا تمت لقناعاتهم بصلة. و من يدري فربما يتعلم اللاجئون شيئا جديداً و يكتشفون عالما آخر  تسود فيه البساطة و لغة الحوار و العقل و قوة القانون. و ربما تفتح فرص جديدة أمام كثير من الفتية لكي يبدعوا و ينجزوا شيئاً مما أنجزه ستيف جوب. فَلَو بقوا في بلادهم لقتلوا و قتلت مواهبهم الكامنة في مهدها.

لا أدري لماذا يسمون عالم النت بالعالم الافتراضي! هل هذا يعني أن حروبنا و صراعاتنا في بلادنا هي العالم الواقعي؟ هل معارك الجمل و صفين و كربلاء هي واقع فعلي ما نزال نعيشه منذ ١٤٠٠ سنة؟.  نعم إنها واقعية لأنها تقتلنا بالفعل و تشردنا في كل أنحاء العالم. لكن فيما عدا ذلك فهي إفتراضية وهمية لا علاقة لمعظم الناس بها. إنها افتراضية لأن من يغذيها و يؤججها هاكرز متطفلون على الدين و الفكر و على أموال الناس. إنهم قراصنة دين و ليسوا أصحاب دين. قراصنة فكر و ليسوا أصحاب فكر. يتسللون إلى عقول البسطاء ليتلاعبون بمشاعرهم و يسرقوهم و يقذفوهم إلى عالم القتل و الموت.

كم من الكذب و الإدعاء و التضليل مورس على الناس باسم الدين من قبل أناس يدعون انهم ممثلون للدين و هو منهم براء. اتذكر حديث شاهد عيان ذكر أن أحد النواب في العراق تقدم للإنتخابات في مدينة البصرة واعداً الناس بتوفير المياه النقية للشرب. لكن بعد نجاحه لم يزر البصرة إلا قبيل الانتخاب اللاحقة. و بينما كان يتحدث لمجموعة من الناس أتاه رجل بكأس ماء عكر  و قال له: “اشرب!، هذا هو الماء النقي الذي وعدتنا به في الانتخابات الماضية”. صمت النائب قليلاً ثم راح يبكي. تعجب الناس حوله و قال أحدهم ما يبكيك، فأجاب: “تذكرت عطش الحسين”. و ربما أبكى ببكائه معظم من كانوا حوله، لينسحب بهدوء بعيداً تاركاً الناس يشربون ذلك الكدر بينما هو يشرب الويسكي و يكدس ملايين دولارات خارج البلاد. هذا نموذج لقراصنة الدين و قراصنة الطوائف في معظم بلادنا. و لا فرق بين طائفة و طائفة. ففي كل طائفة قراصنة دين ليسوا أصحاب دين، و على أصحاب العقل ان يتعرفوا عليهم.

في أغلب بلدان العالم تتم مجابهة قراصنة الانترنت بالتفوق عليهم في مجال البرمجيات و تٓوٓقع الثغرات التي سيدخلون منها. و بهذا تتطور النت و يتحسن الأمان فيها باستمرار و تمضي المعرفة نحو آفاق جديدة. أما في بلادنا فكيف ستتم مواجهة الفاسدين الذين نصبوا أنفسهم أولياء على البشر؟ كيف ستتم مواجهة الذين أفتوا بأن الانتحاري الذي يفجر نفسه ليقتل النفس التي حرم الله قتلها شهيداً في سبيل الله!؟ كيف ستتم مواجه القراصنة الذين يشدونا نحو حروب عدمية تستنسخ ماضٍ سحيقٍ لا يَرَوْن فيه غير الغزوات و السبايا؟  كيف سنتخلص من العيش في عالم وهمي افتراضي لا يمتُّ لحياتنا و لا لهذا العالم؟

Print Friendly