نهاية السياسة في سورية

Karl von Clausewitz on war

بقلم منذر هنداوي

في أحد أبرز تعريف لها “الحرب هي امتداد للسياسة باستخدام القوة”. أي أن السياسة هي الأساس والحرب و سيلة لتحقيق أهداف السياسة. فالحرب ليست مجرد مناطحة بين خصمين يسعى كل منهما للقضاء على الآخر. بل هي وسيلة لإرغامه على القبول بتنازلات تتناسب و توازنات القوة بين الطرفين. ورغم ان السياسة حاضرة لدى كل القوى المحلية المتصارعة إلا أن تعدد هذه القوى و تزايد حدة التقتيل و الدمار همشت السياسة و جعلت الانتقام غاية بحد ذاتها.

أكثر النزاعات تحل باستعراض القوة و ليس باستخدامها. بمنطقٍ و حسابٍ بسيط ينظر المتنازعان إلى بعضهما فإن رأى أحدهما أن الطرف المقابل سيسحقه يجد طريقة للانسحاب من هلاك محتم. و إن رأى العكس فسيقدم بكل ثقة ليكسر خصمه و يفرض عليه شروطه. أغلب الحالات التي يتم فيها الاصطدام و القتال هي تلك الحالات التي يشعر فيها طرفا النزاع أنهما يمكن أن ينتصرا. و مع ذلك ينحو المتخاصمون العقلاء الى تسوية النزاع فيما بينهم دون قتال و بأقل ما يمكن من الخسارة.

أن تُقاتل دون أن تَملك إمكانات النصر، و دون أن تعرف الثمن الذي ستدفعه في هذا القتال، و دون أن تعرف شكل النظام الذي سينشأ بعد انتهاء القتال فتلك مقامرة عواقبها وخيمة. تلك حالة يرفضها العقل. و تلك هي الحالة التي نهت عنها الآية الكريمة: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”. قد يظهر القتال شجاعة نادرة من مقاتلين يقدمون على الموت ببسالة. و لكن الشجاعة وحدها  لا تصنع نصراً و لا تصنع نظاما عادلا و متطوراً. العقل و الفكر النافذ أهم من الشجاعة. و قد صدق المتنبي عنما قال “الرأي قبل شجاعة الشجعان”. حتى لو كنت صاحب حق فلا تكفي شجاعتك كي تحصل على حقك. فقد تنتهي انت و من معك بخسارة مزيد من الحقوق إن اعتمدت على الشجاعة وحدها.

الانتحاري الداعشي الذي يضع حزاما ناسفاً على صدره و يفجر نفسه أليس شجاعا؟ نعم إنه شجاع و لكن أي قضية يخدم بتلك الشجاعة؟ أي قيمة يزرع بين الناس في تلك الشجاعة؟ إنه لا يزرع إلا البؤس و القهر و تأجيج العداء، و هذا ما لا يرضى به عاقل. ماذا فعل الرسول الكريم عندما اشتد عداء أهل مكة له و لصحبه؟ هل بقي يقاتل أعداءه في مكة لاعتقاده أنه على حق وأن خصومه على باطل؟ هل بقي يقاتل معتمدا على الشجاعة وحدها؟ بالطبع لم يبق في مكة بل هاجر إلى المدينة سراً، و اختبأ ممن لحقوا به في غار حراء. لو بقي في مكة و واجه خصومه لكان خسر و هلك أصحابه. و لو استعجل فتح مكة قبل أوانها لربما خسر أيضاً. لكنه انتظر في المدينة حتى أعد العدة و استكمل كل اسباب النصر ثم عاد إلى مكة. استخدم كل الحكمة و العقل السياسي وفاوض أعداء الأمس و فتح مكة دون أن يزهق روحاً واحدة.

إنها الحكمة التي قادت إلى لذلك النصر و ليس الشجاعة وحدها. أليست “الحكمة ضالة المؤمن”. الحكمة هي من يجب ان نبقى في سعي دائم لها و ليس البطولات و العنتريات و تقديس الشجاعة. الحكمة أيضا هي من استعان بها إبن خلدون عندما حاصر تيمورلنك دمشق.  فقد كان واضحاً مدى قدرة تيمورلنك على سحق دمشق. و ارتأى ابن خلدون ان تسلم دمشق له. و تذكر الروايات، و كتابات ابن خلدون نفسه كيف أنزله الحراس في دلو من فوق سُور لدمشق في عتمة الليل ليذهب و يلاقي تيمورلنك كي يستعطفه و يسلم دمشق له. لكن نائب القلعة رفض التسليم لتيمورلنك فكانت النتيجة مقتل نائب القلعة و جميع رجاله و حرق و استباحة دمشق.  نجا ابن خلدون و نجا معه تراثه الفكري الذي أضاء لعدة قرون لاحقة عقول الباحثين في علوم الاجتماع و غيرها.

ترى ما هو حكم التاريخ، أو ما هو حكمكم على من كان مفيدا لدمشق و للبشرية:  نائب قلعة دمشق الذي قتل كرجل شجاع لكن حرقت بسببه دمشق، أم ابن خلدون الذي استسلم لتيمورلنك؟

أين نحن الآن من ابن خلدون؟ أين قادة الفصائل الإسلامية من حكمة الرسول الكريم و سياسته التي مكنته من دخول مكة دون نقطة دم!؟ ألم تهلك الناس في سورية؟ ألم تكن عسكرة الحراك السلمي الشعبي المدني المطالب بالحرية هي بداية ذلك الهلاك الذي تتكشف فداحته كل يوم؟! من عسكر ذلك الحراك يعرف جيداً مدى الثمن الذي سيدفعه السوريون. من عسكر ذلك الحراك كان يريد منع انتشار حراك مشابه إلى بلاده. ماذا كان سيحصل لو تمكن الحراك السلمي من فرض تغييرات ديموقراطية في سورية. ألم يكن ذلك ليدفع شعوب الدول المجاورة للتحرك و المطالبة بالحرية؟ لماذا ربط ممولو الفصائل المعارضة تمويلهم لتلك الفصائل بتسميها أسماء دينية؟ أليس لكي تتلون الثورة بلباس ديني؟

  والنتيجة ماذا؟ قرابة ١٢٠٠ فصيل يقاتلون في سورية. جيش الإسلام وحده يتألف من ٥٥ فصيل.  هذه الفصائل تحارب النظام و لكن أيضاً تتحارب فيما بينها. منظمات من مخلفات كهوف التاريخ صعدت الى الساحة مثل داعش و غيرها وصارت تتحكم بأجزاء كبيرة من بلدنا. صرنا نسمع بالسبي و الاسترقاق و كأننا من خارج هذا الكون. هل هذه النتائج هي ما توخاه المتظاهرون السلميون في البداية. هذا ليس ما أراده أنصار الحرية والمدنية والعدالة.

عندما تتحدث عن الخراب الحاصل تجد من يشرح لك مسؤولية النظام. لكن هل هذا يعفي الفصائل المعارضة المسلحة من المسؤولية؟. هل يكتفي المؤرخون بالقول ان حرق دمشق على يد جيش تيمورلنك هو مسؤلية ذلك المحتل الغاشم و ينسوون دور نائب القلعة؟ هذا لا يكفي. كل أطراف الصراع المسلح في سورية مسؤولون  عما وصلت إليه البلد من هلاك و دمار.

انظروا الى واقع الحال في سورية. فصائل على الأرض تدين بالولاء لمموليها أكثر مما تدين بالولاء لمصلحة سورية. إنظروا إلى ظاهرة انتشار أغنياء و لوردات الحرب و إلى مدى إفقار الناس. انظروا إلى مدى تدخل و تغلغل المنظمات الطائفية التي تقاتل في سورية بمعارك ليس للشعب السوري أي مصلحة بها!!. قوى عالمية و إقليمية تصفي حساباتها بين بعضهاعلى حساب الدم السوري و تخريب البلد. ماذا يعني أن يجتمع ممثلون لروسيا و أمريكا و السعودية و قطر و ايران و تركيا و الاْردن و مصر ليتداولوا حول “الموضوع السوري” دون ان يدعى سوري واحد لتلك الاجتماعات؟ ألا تعني أن الحرب باتت حرب هؤلاء أكثر من أن تكون حرب السوريين. ألا تعني أن “الموضوع السوري” صار موضوعهم قبل أن يكون موضوع السوريين؟!

الحرب في سورية لم تعد حرب سورية و إن كان وقودها السوريين. الحرب باتت حرب عالمية مصغرة على أرض سورية. كل دولة تلعب لعبتها. أمريكا تلعب لعبتها. روسيا تلعب لعبتها. عدد كبير من الدولة الغربية و دول الشرق الأوسط تلعب ألعابها الخاصة بكل منها في سورية بعيدا عن مصالح الشعب السوري. كم أتمنى من أصحاب الفكر و السياسة السوريين أن يدققوا في تفاصيل ألعاب هذه الدول و مصالحهم كي يفهم أصحاب الكلمة من السوريين هذه الحرب على نحو أفضل، فربما يسعفهم ذلك على إيجاد مخرج من هذه المأساة. لكن هناك أمور لاتحتاج إلى عناء البحث كثيرا كي نفهم أن حقوق الإنسان و الديموقراطية في سورية هي آخر اهتمامات كل هؤلاء اللاعبين المتحكمين “بالقضية السورية”. سورية تغرق، و ليس من سبيل إلى انتشالها إلا بعودة السوريين للعقل و الحكمة و السياسة التي تبحث عن أفضل الممكن.

و اسمي يكتب بالعربي: .

Print Friendly