من اين دخل إلينا التطرّف؟

Extremism
منذر الهنداوي

إلى من يبحث عن أسباب التطرّف في بلادنا في بُطُون التاريخ و في الأديان أقول له خيراً تفعل، و لكن لا تنسى ان تدقق أيضاً في ظروف حياة الناس و طرق كسبهم و طرق التفكير التي طوروها لتسهل كسبهم و حياتهم في مجتمعنا.

 و عن طرق الكسب هذه أذكر سؤال سمعته من مزارع بسيط في منتصف سبعينيات القرن الماضي. سأل المزارع: ” لماذا ازرع و اتعب اذا كان بإمكاني الحصول على موافقة بشراء خمسين كيس شمينتو!؟” و تابع مجيباً  على سؤاله “مربح هل الأكياس أكتر من كل زراعة هالأرض.”. و كان على صواب في حساباته. فقد كان سعر كيس الإسمنت و قتها قرابة ١٠ ليرات سورية. لكنه كان يباع بالسوق السوداء ب ٤٠ ليرة. اي أن ربح الكيس الواحد ٣٠ ليرة. هذا يعني أن مكسبه من استثناء يمنحه إياه مسؤول لشراء خمسين كيس إسمنت يصل إلى١٥٠٠ ليرة. و هذا قد يعادل مكسب محصول صيفي لمزارع بسيط في تلك الأيام.

ربما بحسابات ذلك المزارع انه ربح ١٥٠٠ ليرة، لكنه لا يعلم أن المجتمع كله كان يخسر. فتلك الاستثناءات التي  امتدت لعدد كبير جداً من السلع الأساسية و الخدمات، بل و حتى التعليم لم تعد استثناءات بل صارت قاعدة للفساد و الرشوة و التقرب من اصحاب القرار و تعطيل دولة القانون و المؤسسات.

خسر المجتمع القيم والمثل التي تحض على العمل و الانتاج المفيد، و حل محلها علاقات عمل مشوهة بإنتاجية هزيلة. فعوضاً عن الاتقان في العمل كوسيلة لتحقيق دخل أفضل اتجهت أعداد متزايدة من الناس نحو التقرب من أهل السلطة و النفوذ، و تدريجيا استشرت الواسطة و الفساد و الرشوة. لا بل صار كثير من الناس ينظرون لمن يحترم عمله و يريد أن يؤديه على أحسن وجه بأنه حمار شغل.

 حول عالم الاستثناءات هذا تطورت شبكات من السماسرة و الوسطاء يربطون بين أصحاب الحاجة و بين المتنفذين و اصحاب الشأن و القرار. استثناءات كانت قيمة الواحد منها بداية بآلاف الليرات ثم صارت بالملايين، و بعدها بمئات الملايين. نشأت معها طبقة جديدة من الأغنياء لم تساهم بالانتاج و لم تساهم بخلق فرص عمل حقيقية للناس، بقدر ما أسهمت بخلق اتباع و ولاءات و رسخت عقلية الاستزلام في المجتمع على حساب المواطنة و دولة القانون. لم يكن غريبا في ظل مناخ كهذا أن يعاد احياء القبلية و العشائرية و الاثنية و الطائفية و العائلية التي كثيرا ما صارت عميقة بجذورها لتمتد بقدرة قادر الى بني هاشم او بني أمية.

في وطن كهذا صار ضرورياً للمواطن المسكين و المقطوع من شجرة أن يبحث لنفسه عن شجرة يستظل بظلها، أو أن يندس تحت ما تيسر له من انتماءات حقيقية كانت أم مزيفة، فلم يعد يكفي ان يكون المرء مواطنا سورياً و حسب.

مع الانهيار الفعلي للمواطنة انهار التعليم و زادت الأمية، و توسع التزوير و استفحل الرياء و الكذب حتى صار الصدق عملة نادرة لا يمارسها إلا متهور أو صاحب رأي و جسور.

شعارات الاشتراكية رفعت بكل مكان، و لكن لم يكن أحد يصدق ان سورية كانت دولة اشتراكية. مادة الثقافة القومية الاشتراكية فرضت في الجامعات و المدارس و لكن لم يكن أحد يظن ان لهذة المادة من اسمها أي نصيب.

اساتذة الجامعة و اساتذة المدارس و المعلمين الشرفاء و القديرين صارت حياتهم أشبه بالجحيم. كم مرة شاهدت و سمعت مواقف من اساتذة محترمين و هم يحاججون موظفاً صغيراً شبه أمي في دائرة حكومية صغيرة ينتصر فيها شبه الأمي على استاذٍ مهنته تعليم الناس. و لم لا!؟ فكثير جداً من الوظائف صار امتيازا لمن يريد ان يسرق و يرتشي، و لا يهم إن تٓعرقل العمل او توقفت مصالح الناس. من منا لا يعرف الكثير الكثير عن قصص الفساد و الرشوة و سرقات المال العام التي طالت كل مؤسسات الدولة. و من منا مستعد لدفع ثمن قول الحقيقة حول ما كان يعرف؟

أما عن الفقر و التهميش فحدث و لا حرج. في العشوائيات التي انتشرت في كل سورية كان يمكن رؤية كيف يعيش خمس سكان سورية في بؤس  في بيوت زحف الرمل و الطين و الأوساخ الى كل زواياها. الطبقة الوسطى التي ميزت سوريا تآكلت و تقلصت و بالمقابل زادت الفوارق الطبقية بشكل هائل بين قلة ممن يملكون الكثير و أكثرية لا تملك إلا القليل.

هذه صورة صغيرة و جزئية عن أحوال مجتمعنا و عن طبيعة القيم التي طغت على العلاقات بين الناس. أليس لكل هذا التردي دور بظهور و تضخم التطرّف إلى هذا الحد الذي بات يهدد مجتمعنا بانهيار غير مسبوق بتاريخنا؟.. أليس مؤشراً ذو دلالة أن النسبة الأكبر من المنتسبين إلى المنظمات المتطرفة أتوا من العشوائيات السكنية المعدمة، و من الريف السوري الذي انفجر سكانيا و لكنه ازداد فقراً و جهلا؟

نعم ان فكر القاعدة متطرف و اجرامي و لكن لم يكن لهذا الفكر أن ينتشر و يصل إلى هذه الدرجة من الخطورة لو لم يكن عالم الافقار و الفساد و التزوير و التجهيل و الطائفية قد استشرى في مجتمعنا.

Print Friendly