القبول بالآخر مفتاح الديموقراطية

The Other
منذر الهنداوي

لكن! هل نعرف كيف نقبل الآخر؟ هل نعرف كيف ننصت للآخر؟ و من هو الآخر الذي علينا أن نقبل به؟ من الطبيعي أن الآخر الذي سنقبله ليس من يهجم علينا بسلاحه و يريد ان يقتلنا أو يخضعنا لإرادته. و ليس من يضع سلاحه تحت الطاولة كي يستعمله كلما ظهر خلاف في النقاش.

الآخر هو من يقبل بالحوار. و هو من يقبل بالمواطنة و يضع انتماءه للوطن فوق و قبل كل الانتماءات. و هو من لا يختبئ خلف تصنيفات الأقلية و الأكثرية الدينية و المذهبية ليحصل على مزايا فقط لانتمائه لأي منها. الانتماء لأي دين أو طائفة حق لك فرد و لكنه ليس مصدراً يحصد من خلاله المكاسب. الآخر هو من يحترم سلطة القانون و لا يفرض قوانينه الخاصة على الآخرين. الآخر هو كل مواطن، و هو أنت ايضاً.

المجتمع مجتمع مواطنين مختلفين. المجتمع ليس تجمع أفراد على شكل نسخة واحدة متكررة ملايين المرات. مهما تطابقت الأفكار و الآراء لا بد لها أن تختلف أيضا. بل إن داخل كل شخص يوجد آخر. فالإنسان يتغير و يتطور و تتجاذبه الأفكار المختلفة و يتصارع مع نفسه. و مهما سعى أن يكون منسجماً لا بد له أن يمر بتناقضات مع ذاته، أي بتناقضات مع الآخر بداخله. و يمكن أن يبقى أسير تلك التناقضات أو قد يتطور قليلاً من خلالها. لكن الحوار مع الآخر الذي يقف أمامنا يساعدنا على التطور أكثر. فالآخر أمامنا يرى عيوبنا و يدلنا عليها، بينما في محاكات المرء لذاته فإنه قد لا يرى أو قد يتغاضى عن النظر بكثير من عيوبه ليبقى غارقا بذاته و مغالطاته.

يجب أن ننتقل من محاكاة ذاتنا إلى محاكاة الآخر و الحوار معه. علينا ان نخرج من عالم المونولوغ  إلى عالم الديالوغ. يجب أن ننتقل من عالم الذات الصغير إلى عالم الآخر المتنوع و الأكبر. لا سبيل لإنقاذ أنفسنا من الغرق في محاكات الذات و مغازلة الذات إلا بمد الجسور إلى الآخر و الحوار معه. تلك هي بداية الرحلة في بناء الديموقراطية، في بناء المجتمع.

ربما يدرك كثيرون منا الآن أن الديموقراطية هي الحل. و لكن السؤال الأهم هل نحن جاهزون لها؟ هل نعدّ أنفسنا لممارستها؟ كيف سيكون شكل الديموقراطية لو هبطت علينا من السماء بعد كل هذه المأساة ؟ هل ستكون مثل ديموقراطية ما بعد انتهاء الانتداب الفرنسي على بلادنا مفخخة بعقلية الاستحواذ و إقصاء الآخر و عدم فهم ضرورته؟ هل لدينا تصور كيف سنتصرف اذا وجدنا أنفسنا فجأة أمام انتخابات ديموقراطية حرة و نزيهة في سورية؟ أم كما قال المثل “ليجي الصبي منصلي على النبي”؟. و هل نعرف مجتمعنا حقاً؟ هل نعرف من سينتخب الناس في مثل هذه الانتخابات؟ أسئلة كثيرة يجب أن تثار.

 يمكن بسهولة إدراك أن الديموقراطية ليست فانوسا سحرياً يحل كل مشاكلنا بلمسة واحدة. لكن الأهم أن نعلم أن بناء الديموقراطية مسيرة طويلة من التعلم و بناء الوعي و المؤسسات و اليقظة الفكرية و المؤسساتية الحارسة للديموقراطية من السقوط. فالسقوط ممكن دوما، حتى أعرق الديموقراطيات يمكن أن تسقط بشكل أو بآخر.

انظر الى ما يحدث الآن بالانتخابات الأمريكية. عندما تستمع الى دولاند ترامب المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية تصيبك الدهشة، كيف يمكن لشخص بهذه الضحالة الفكرية ان يكون رئيسا محتملا لأمريكا. تارة يريد منع كافة المسلمين من دخول أمريكا، و تارة يريد طرد اللاجئين السوريين إلى بلادهم، و تارة يطلق تهديداته العنصرية ضد المكسيك. خطاباته لا تختلف بسخافاتها عن خطابات موسيليني أو هتلر.

هتلر داعب أحلام البسطاء و العامة بتفوق ألمانيا و العنصر الألماني و حشدهم خلفه، و تحالف مع القادة الصناعيين المستخفين به ولكن المتعطشين للإنتاج و فتح الاسواق و الذين وجدوا فيه ضالتهم. لم يكن هؤلاء العامة مصدر تفوق ألمانيا فقد كان مصدر تفوقها مفكريها و علمائها، و لكن هؤلاء العامة كانوا مصدر صعود هتلر، فقد صعد إلى الحكم بأصواتهم بانتخابات ديموقراطية.

الآن دونالد ترامب يكرر نفس الأمر و يمكن أن يصل إلى الحكم بانتخابات ديموقراطية و بأصوات العامة و بعض من أصحاب المصالح. ترامب ذلك الملياردير الذي تشوب ثروته كثير من الشبهات، والمتطرف العنصري الوقح يمكن ان يصبح رئيساً لأمريكا!! إن التجربة الفرنسية في الانتخابات مؤخراً أظهرت مدى وعي المجتمع بخطر اليمين فكان سقوط اليمين مدويا بالانتخابات الإقليمية  أواخر  ٢٠١٥ بعد صعود شعبيته لوقت من الزمن. فهل سيوقف الأمريكان زحف هذا المتطرف ترامب؟ أم أننا أمام سيناريو لا يختلف عن صعود هتلر.

إن هذا التأييد الكبير ل ترامب يطرح على الفكر مجددا، و علينا في سورية، علاقة الديموقراطية بالحرية، و علاقة الحرية بالوعي، و دور الاعلام المنفلت في تضليل الناس. إن شعبية ترامب  تدل أن العامة أو الجماهير ليست دائما على صواب. بل يمكن ان تكون خاطئة جدأ في حق نفسها و حق مجتمعاتها مثلما كانت الجماهير على خطأ فادح عندما مشت خلف هتلر.

ليس حراً من لا يملك و عياً كافياً يمكّنه من حسن الاختيار. كيف مثلاً تستطيع امرأة أن تختار دواء لابنها إذا لم تكن تعرف ما مرضه و ما هو الدواء الذي ستختاره لذلك المرض؟  و في الانتخابات كيف يستطيع ناخب ان يختار بين المرشحين إذا لم يكن لديه وعي يمكنه من فحص برنامج كل مرشح ليقرر من سينتخب. بل كيف يستطيع ناخب متعلم أن ينجو من سلطة الضخ الإعلامي المنفلت و المزور و يقرر من هو المرشح الأفضل كي ينتخبه؟

ان الحرية وعي. و الديموقراطية وعي. و بناء الديموقراطية و الحفاظ عليها يتطلب كل الوعي و اليقظة بين النخب المتعلمة و السياسية. بناء الديموقراطية يتطلب بناء مؤسسات و قوانين قابلة للتطور، و يتطلب تطوير التعليم و حذف كل معالم عبادة الفرد و كل مصادر التطرّف منه.

أمام مجتمعاتنا مسيرة طويلة حتى تصل إلى المجتمع الديموقرطي المنشود. والمنارة التي تنير الطريق هي منارة التعلم و النهوض بوعي المجتمع و تعلم احترام الرأي الآخر. و تعلم التقيد بسلطة القانون، و التمسك بمدنية الدولة، و ضبط الاعلام المنفلت المتحيز. نعم الرحلة طويلة، و لكن مهما كانت الرحلة طويلة فلا بد أن تبدأ بخطوة بالاتجاه السليم، و الخطوة الأولى هي تعلم القبول بالاخر و تعلم الحوار معه.

لقد علمتنا الحرب معنى إقصاء الآخر. علمتنا أن الإصرار على إقصاء الآخر يعني دمارنا و دمار الآخر. وعلينا الآن أن نفهم ضرورة الآخر و ان نتعلم كيف نعيد الإعتبار للآخر حتى نعيد التأسيس لمجتمع ثروته في تعدديته و تعدد طوائفه و دياناته.

إن التخلف و الجهل هو ما يحوِّل تعددية الطوائف إلى صراعات طائفية. إذا لم يكن لدينا طوائف فإن التخلف لن يجد صعوبة بإيجاد مبرر لصراعات بأسماء أخرى. ليبيا مثال على ذلك، فهي دولة بدين و مذهب واحد و مع ذلك نشب فيها صراع مدمر لا يختلف في آثاره عما يجري في سورية. و ليس عندي توصيف غير كلمة “تخلف” كي أصف كل ما يجري من دمار في بلادنا. فكل ما جرى كشف النقاب كم نحن نعاني من قصور الرؤية و من الجهل و تخلف الفكر الذي لم يمكننا أن نرى إلى أي منحدر كنا ذاهبين.

لقد استخدمتُ كلمة “تعلم”. لأننا يجب أن ننظر إلى بناء الديموقراطية كتلاميذ و ليس كمعلمين. فنحن لا نملك من الخبرة و المعرفة بالحياة الديموقراطية إلا قليلاً جداً، بل و نكاد لا نعرف عن صندوق الانتخابات شيئاً يذكر.

Print Friendly