من أين أتى كل هذا التطرّف؟

Saudi religious pupils

مرةً أُخرى فجر شاب سعودي عمره ٢١ سنة نفسه بمسجدٍ و قتل ١٥ شخصاً من أبناء وطنه و دينه و مذهبه.

قبله، نفذ عشرات الشباب عمليات انتحارية في السعودية، و عشرات بل ربما مئات العمليات لم تنجح. و السؤال: لماذا يقدم هؤلاء الشباب على استهداف بلدهم على هذا النحو؟ ما طبيعة هذا الفكر الذي يدفع شباباً في مطلع العمر ليفجروا أنفسهم و يقتلوا غيرهم.

 نستطيع، كما هي العادة، أن نلوم الغرب و المؤمرات العالمية على هذا الإرهاب الذي يحصل في بلادنا، و لكن كيف يحصل أن العدد الأكبر من هؤلاء الانتحاريين الذين يقتلون المسلمين باسم الاسلام هم من بلادنا؟ و بشكل خاص من السعودية؟ لم يأتوا من سويسرا و لا من ألمانيا .. بل من السعودية أولاً و من باقي الدول العربية ثانياً، و من ثم من باقي دول العالم الأخرى. ألم يحن الوقت ان نكف قليلاً عن نقد الآخرين للتهرب من مواجهة الخلل الموجود في مجتمعاتنا.

لا أدعي الإحاطة بجميع الأسباب التي تؤدي إلى تفريخ كل هذا الكم من الإرهابيين الذين يقتلون باسم الدين، و لكنني على يقين انه في مجتمعاتنا، و في المجتمع السعودي تحديداً مناخ داعم لنشوء و تعزيز هذا التطرّف و الإرهاب. و لعل جانب كبير من هذا الخلل يكمن في التعليم بمختلف مستوياته. و أشير، على سبيل المثال، الى التعليم الرسمي في السعودية. فأول ما يلاحظه الدارس لواقع التعليم في المملكة هو تضخم التعليم الديني على كل جوانب التعليم الأخرى”١”. ففي المرحلة الإبتدائية مثلاً يصل عدد ساعات التعليم الديني ٩ حصص أسبوعية يتعلم التلاميذ فيها القرآن الكريم و التجويد و التوحيد و الفقه و الحديث و التفسير. كذلك يبلغ عدد ساعات تعليم اللغة العربية ٩ حصص، و بذلك يكون مجموع حصص الدين و اللغة العربية ١٨ حصة من أصل ٣٠ حصة لكل برامج التعليم في المرحلة الابتدائية. و إذا اخذنا بالاعتبار أن تعليم اللغة العربية يستند إلى نصوص و مراجع دينية فيتبين لنا ان أكثر من نصف تعليم اللغة العربية ذو خلفية دينية. و هذا يعني ان نصف التعليم المدرسي تقريباً هو تعليم ديني. و يطرح السؤال، و ما الإشكال في ذلك؟ و الجواب على ذلك هو يكمن في نوعية النص الديني الذي يتمحور حول التفكير السلفي المتشدد في تفسير النصوص الدينية. و كمية الضخ الكبيرة للتفسيرات المتشددة للنصوص الدينية. و تتركز هذه التفسيرات أساساً على رأي الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كل أوجه الدين و منها  العبادة و التوحيد و الشرك و أنواعه، الكفر و أنواعه، النفاق و أنواعه و إقامة الحدود و غير هذا. لن ادخل بكثير من التفاصيل و لكن ما يثير الدهشة في هذا التعليم هو سهولة تكفير الآخرين. فالأطفال و من عمر السادسة يبدؤون بتعلم كلمة “كفر” و من ثم يتعمقون تدريجيا بتصنيف الناس الى مؤمنين و كفار. الديموقراطية مثلاً تعتبر من المذاهب الكفرية و بالتالي فإن من اتبعها و من دعا اليها يعتبر كافراً. شأنها في ذلك شأن الاشتراكية و العلمانية  فكلها “مذاهب” شركية يكفر فيها التابع و المتبوع. و هذه العبارات: “شركية”، “كافرة”، ” تجدها تتكرر تقريباً كلازمة مثل ما تتكرر كلمة “الرجيم” بعد كلمة شيطان؛ فالشيطان دوماً هو الشيطان الرجيم، و الاشتراكية دوما كفر، و الديموقراطية شرك. و لائحة الكفر التي يتعلمها الاطفال في المدرسة طويلة جداً و تمتد لاحقاً في مرحلة التعليم الثانوي لتتعمق في التكفير لتصل إلى تكفير المحاكم الوضعية، و المجالس التشريعية ( البرلمانات) التي تعمل بالقوانين الوضعية و ليس القوانين الإلهية. و المسلم الذي يؤمن و يدافع عن الديموقراطية هو بحكم المرتد. هذا التعليم الديني الذي يستسهل تكفير الآخر يفتح المجال واسعاً أمام المسلم الحق كي يحارب الكفار و يقيم حد القتل على المرتدين. هذه لمحة عامة عن التكفير في التعليم الرسمي في السعودية. أما التعليم في المدارس و الكليات المتخصصة بالتعليم الديني فهي أكثر تعمقاً في التكفير و أكثر شرحاً لأساليب مواجهته، و لمصير الكافر و مصير أمواله و نسائه و أولاده من سبي و استعباد. إذا كان هذا ما يتعلمه الطالب في المدارس و ليس بحلقات سرية لأحزاب متطرفة، فلماذا نستغرب انتشار فكر داعش و أخواتها و ما تفعله من تقتيل و سبي و استعباد. لماذا نستغرب ان يفجر شاب نفسه بمن حوله ممن يعتقد جازماً انهم كفار يجب أن يُقتلوا و انه عندما يقتلهم يطهٓر الأرض منهم و يذهب مباشرة الى الجنة. و لماذا نستغرب ان يقوم شاب في التاسعة عشر من عمره بتكفير خاله و قتله لكونه يعمل يعمل في السلك العسكري في المملكة. ألا يشرح هذا التعليم أو التلقين المدرسي سبب انتشار التطرّف بين الشباب في السعودية؟ أجزم بأنه يشرح اهم أسباب التطرّف فيها. و أجزم اننا سنشهد مزيداً من الدمار و التقسيم مالم نغير نهجنا و تعليمنا، و ما لم يتم التغلب على نزعات التكفير التي حقنت بها أجيال بكاملها. لن نتقدم خطوة الى الأمام ما لم نتعلم و نتشرب روح التسامح و احترام الآخر و احترام معتقداته طالما انها لا تدفعه للإعتداء على الآخرين. متى نعلم الأطفال ذلك الجانب من الفكر الاسلامي المتسامح؟ متى نعلمهم من الفكر الانساني الأوسع و الداعي إلى التسامح  و التعايش مع الآخر؟  إلى ان نستطيع ان نجيب عن هذا السؤال سنظل نتخبط في ظلامنا الدامس، و لن نرى الطريق إلى النجاة قبل أن نستأصل الفكر التفكيري من تعليمنا و من عقولنا.


١- هذه الفقرة عن عدد ساعات التعليم تستند إلى معلومات من دراسات تمت في إطار دراسة واقع التعليم في المملكة العربية السعودية و ذلك ضمن مشروع “الخطة الوطنية الشاملة لتطوير لتطوير العلوم و التقنية في المملكة العربية السعودية للعشرين سنة ما بين ٢٠٠٥ و ٢٠٢٥” و التي  قامت بها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم و التقنية. و لا اظن انه حصلت تغييرات جدية في التعليم الديني في المملكة حتى الآن.

Print Friendly