سوريا: و ماذا بعد؟

بقلم م. الهنداوي

واقعنا السوري مؤلم و مأساوي و يهوي من سيّء إلى أسوأ. لا أحد يدري كيف ستكون النهاية. نتلمس طريق النجاة في ظلام دامس. لا أحد في الغرب أو الشرق ينير لنا الطريق. لا أحد يمسك بيدنا إلى بر الأمان. و إن أمسك فلكي يوقعنا بحفرة جديدة. العالم كله يخذلنا. الثورة لم تعد ثورة كما رسمتها الأغاني و الأشعار و الخطابات الحماسية. الثورة لم تعد وسيلة تغيير نحو الأحسن. صحيح انها بدأت كحراك شعبي طلابي شبابي لكنها تحولت إلى ثوران و هيجان لقوى مشتتة مقاتلة انتشرت على أطراف المدن و في الارياف ثم توسعت و اجتاح التطرف و التكفير الكثير منها فانتشر الذبح و الذعر و الدمار في معظم أرجاء سورية. الآن نفهم ان الثورة ليست رحلة رومانسية ينتصر فيها الحق على الباطل، و ليست مجرد إشعال حريق، فالحريق ان خرج عن السيطرة حرق الأخضر و اليابس، و قد خرج عن السيطرة. الآن نعي دلالة اشتقاق كلمة الثورة من ثور. و بدأنا نفهم أن الثوران الذي لا يخضع لسلطة العقل مدمر. كل ما هو بربري و همجي يتقدم في سورية. الفكر الحر يتراجع و يختبىء خوفا من طغيان التعصب الديني و المذهبي و خوفا من الاستبداد. تفكيرنا يخذلنا و لا يشع بصيص نور يضيء طريقنا. نحن غير قادرين على الفعل و غير قادرين على الفهم. انتظرنا الحل ان يأتي من اصدقائنا و لكنه لم يأت فصرنا ننتظر الفرج و لو من الشيطان، أو من عدو الأمس. و لكن الشيطان لا يغيثنا و عدو الأمس لا يرغب في صداقتنا. لا أحد يرغب بمنحنا السلام والأمان. الناس تموت بالمئات و تهاجر يوميا و العالم يتفرج علينا بصمت، أو بقليل من الثرثرة التي لا تصب إلا في تأجيج الصراع. المؤثرون بالصراع في سورية ما زالوا يرغبون باستمراره، أو إذا أحسنا الظن لا يمانعون باستمراره. أتذكر أمنيات هنري كسينغر حول الحرب العراقية الإيرانية بأن لا تنتهي. فقد كانت بالنسبة له حربا تستنزف دولتين متطرفتين و عدوتين للولايات المتحدة. و هكذا يبدو حال الصراع في سورية، فهو بات وسيلة لاستنزاف كل دول المنطقة، و وسيلة للتخلص من المتطرفين الذين تربوا في مختلف بلدان العالم و أرسلوا إلى المسلخ السوري كي يمارسوا جهادهم في بلدنا. أما عن السوريين فَلَو قتل منهم مليونان فهذه مسألة يمكن لضمائر قادة العالم أن تتأقلم معها، لكن بالطبع مع إظهار بعض التعاطف!!. أكيد هناك ضمائر حية في الغرب وهناك كتاب و دعاة سلام و أناس ملتزمون بإنسانيتهم يحزنون علينا، و قد يتظاهرون ضد ما يحدث في سورية. لكن هؤلاء ليسوا الطرف المتحكم بالسياسات الخارجية لمعظم دول الغرب. المتحكمون بتلك السياسات يناقشون مأساتنا في المحافل الدولية و مجلس الأمن و يتبادلون الاتهامات مع روسيا حول أسباب الفشل في حل الصراع في سورية. كل همهم أن يخلوا مسؤوليتهم الأخلاقية لكن ليس أمامنا بالطبع بل أمام مواطنيهم و منظمات حقوق الانسان و السلام في بلادهم و أمام التاريخ الذي سيحكم عليهم.

أتذكر الآن كم كانت فرحتنا عارمة عندما انتخب أوباما رئيسا للولايات المتحدة. اذكر كيف ملأت دموع الفرح عيون الكثيرين منا و نحن نشاهد أوباما يقسم اليمين الدستورية و يردد اسمه ‘باراك حسين أوباما’. أمريكا التي ميزت ضد الزنوج في معظم تاريخها و حتى عقود قليلة خلت تغلبت على نفسها و انتخبت رئيساً من أصل أفريقي بل و حتى من أب مسلم. كان ذلك انتصارا للانسانية جمعاء ضد العنصرية و اللاإنسانية المزروعة في معظم أصحاب المصالح و الامتيازات الخاصة و الكبيرة، أو هكذا أردنا ان نرى ذلك الانتصار. أمريكا الامبريالية، عدوة التحرر في العالم الثالث، صارت بلحظة بعد انتخاب أوباما محط أنظار حركات التحرر و دعاة السلام في العالم. لعدة سنوات ظننا أن أوباما سيأتي إلى الشرق الأوسط داعماً للعدل و السلام. لكن سرعان ما تبين أنه ليس ذلك الفارس المخلٓص من قوى الشر، و إنما مجرد رئيس أمريكي آخر يسعى لترسيخ مصالح أمريكية معينة دون اي اعتبارات إنسانية تتعلق بدمار أمة و خراب تراثها و معالمها التي صمدت لآلاف السنين.

سورية تغرق. ضاع الكثير منها فهل يمكن إنقاذ ما تبقى؟ ماذا نعمل؟ هل نبقى نتوسل الحل من أوباما أو من غيره؟ أم علينا ان نقبل بأنها النهاية فنودع بَعضنا و ننتظر القدر بصمت. أم نختار خيار شمشون ‘عليٓ و على أعدائي’ فتنهار سورية فوق الجميع و تتطاير شظاياها ارهاباً لكل دول العالم.

أظن أن لدينا خيار آخر. أظن اننا نحتاج في هذه اللحظة الى لملمة كل قوانا الذهنية لمراجعات نقدية لأفكارنا و أساليب تفكيرنا. أظن ان هذه المأساة يجب ان تدفعنا الى التخلي عن غرورنا و عن مغازلتنا لأنفسنا و كأننا افهم خلق الله. أظن ان هذه المأساة يجب ان تدفعنا إلى التحلي بالتواضع و إلى تعلم الاستماع و الانصات لبعضنا البعض و إلى الآخر. ينبغي ان نتعلم كيف ننتقد أفكارنا قبل ان ننتقد غيرنا، و كيف نتعلم من بَعضنا و كيف نتواجه فكريا، و كيف نكف عن التجاهل متظاهرين بالفهم العميق أو بالحكمة. يجب ان نتوقف عن توجيه الاتهامات و السخرية من الآخرين لمجرد خلاف في الرأي. نحن لسنا بخير. علومنا و فهمنا و مفاهيمنا و عقولنا ليست بخير.

اذكر مثالا كرره الاستاذ الياس مرقص عن أحد الفلاسفة: النحلة تصنع العسل منذ آلاف السنين و لن يتمكن الانسان العاقل الصانع من مجاراتها في ذلك. ثم يستخلص: علم النحلة كامل.. علم الانسان ناقص، و لكن هذا بالضبط سر تفوق الانسان على النحلة. كون علم الانسان ناقص فهذا يتطلب منه باستمرار التعلم و التطور. و هذا ما يجعله يتفوق على النحلة التي اكتمل علمها و عملها غريزيا.

إذا كنا نظن أن علمنا كامل و فهمنا كامل فلا داعي لفعل شيء. إذا كنا نظن أن المشكلة كلها بسبب الطرف الآخر فلا داعي أن نتعب أنفسنا و للننتظر القدر فلرب معجزة تحل عقدتنا. أما اذا أردنا أن نتعلم و نفهم مأساتنا فعلينا أن نراجع أنفسنا و نراجع أفكارنا. علينا أن نعود الى الصفر مجددا، الى الورقة البيضاء لنكتب عليها مسودات أفكارنا. لنكتب الكلمات أو المفاهيم الأساسية التي نستخدمها كثيرا لكن دون ان نعرفها جيدا. كل يوم نتحدث عن ربيع عربي و عن ثورة وعن مقاومة و ممانعة.. و كأنها تعابير مقدسة لا يجوز المساس بها. قناة الجزيرة عملت جاهدة لتصف ما قام به السيسي في مصر بأنه انقلاب، و مؤيدو السيسي يبذلون جهدهم لإثبات ان ما قام به ثورة. و لكن لم كل هذا الجهد لتسميتها انقلاب أو ثورة؟ السبب يكمن ببساطة في أن كلمة ‘ثورة’لها هالة قدسية بأذهاننا بأنها رمز التغيير نحو الأحسن و رمز التخلص من الظلم و القهر. و لكن هل تستحق كلمة ثورة هذه القدسية؟ لا أعتقد ذلك. ليس بالضرورة ان تأتي كل ثورة بالأحسن بل يمكن أن تأتي بالأسوأ. بالمقابل لم لا يمكن لانقلاب عسكري ان يكون أفضل من ثورة؟ أظن ان هذا ممكن، أقول ممكن لكن ليس حتميا. ما يهم هو النتيجة، هو التغير الذي حصل أو المتوقع أن يحصل في حياة الناس و أمنهم و حريتهم. ما أريد قوله باختصار اننا عندما ندخل في عالم التفكير فينبغي ان ننزع القدسية عن الكلمات فالكلمات وسائل أو أدوات ينبغي ان تمكننا من فهم الواقع فان لم تخدمنا في الفهم فيجب استبدالها وإيجاد ما يصف او يشرح الواقع على نحو أفضل. يجب ان نجعل الكلمات أو المفاهيم طيعة في عالم الفكر، و لا ان نتعامل معها و كأنها اصنام مقدسة لا يجوز المساس بها. لم يعد ممكنا فهم ما يجري في سورية من خلال كلمة ‘ثورة’. و لا يمكن فهم الواقع من خلال الإصرار على إطلاق عبارة ‘الربيع العربي’ على ما يجري في سورية. عن اي ربيع يتحدثون و نحن امام هذا الحريق الهائل الذي يجتاح البلد. و أكثر من هذا لا نفتأ نرى شعارات ترفع راية الحرية و الديموقراطية و كأننا على أبواب انتخابات قريبا. من المؤكد ان الحرية أسمى رسالة و أهم غاية للانسان. و لكن عندما نطرحها الآن وننسى المسائل الأكثر إلحاحا فهذا يعني أننا نهرب من مواجهة القضية التي تخص الناس في سورية. القضية الاساسية في الوقت الراهن هي وقف هذا التدمير و التفتيت لسورية بأي وسيلة كانت. كل من يقدم مبادرة صادقة بهذا الاتجاه يجب تأييده و دعمه. كل القضايا الأخرى ينبغي ان تكون مؤجلة الى حين.

Print Friendly